تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما المأمور به لحق الآدمي فهذا فيه نظران أيضاً: الأول:نظر من ناحية صحة الفعل، والثاني : نظر من ناحية الثواب على الفعل ، فأما الأول : فإنه بمجرد وصول الحق إلى أهله حصل المقصود الشرعي،فإن الشارع لما أمر برد المغصوب والمسروق وأداء الديون ونحوها، لم يأمر بذلك لأنه تعبد محض له ، بل أمر به لأنه حق للآدمي ويجب على الآدميين أن يردوا الحق لأصحابه ، فإذا حصل الرد حصل مقصود الشارع وحصل مقصود الآدمي ، وهو أن حقه رجع إليه بتمامه ، فهذا كافٍ في حصول المقصود ، ولا ننظر إلى نية من عليه الحق ، لأن المقصود حصل بدونها فلا تأثير لها في صحة تحقق المقصود ، فإني لا أظن أحداً عاقلاً يقول لمن رد المغصوب إلى صاحبه بلا نية إنك آثم وعملك هذا باطل لأنه بلا نية فاذهب وانو ثم أعد الرد مرة ثانية بنية التعبد ، هذا لا أظن أحداً يقوله ، بل الشريعة تأمر بالمبادرة إلى الرد ليعود الحق لصاحبه بأسرع وقتٍ وأيسر كلفة فكيف نقول : ردك باطل لأنه بلا نية وتحتاج إلى ردٍ جديد ، هذا بعيد جداً عن الشريعة وبعيد جداً عن فهم من عرف مقاصد الشريعة – زادها الله شرفاً ورفعة – فإذاً لما تحقق مقصود الشارع بمجرد الرد كفى فيه صورة الرد بغض النظر عن نية من عليه الحق ، فالرد صحيح ولو بلا نية ، أما الثواب على هذا الرد فإنه موقوف على النية الصالحة فإذا نويت برد الحق لأصحابه التعبد لله جل وعلا بإعطاء كل ذي حقٍ حقه فأبشر بالثواب العظيم والأجر الجزيل لأن الثواب لا يكون إلا على قربة والرد المجرد عن النية ليس بقربة فلا ثواب فيه لكن إذا اقترنت به النية الصالحة فهو حينئذٍ قربة فتثاب عليه لهذه النية ، وبهذا تعرف أن المأمور به لحق الآدمي مخصوص من عموم قوله (( الأعمال بالنيات )) فبقي عندنا ما أمرنا به لحق الله تعالى فهذا هو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - (( إنما الأعمال بالنيات )) فيدخل تحتها جميع الأعمال لأن الألف واللام الداخلة على الجمع

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٤١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٤١٤