فنبدأ أولاً بالأشياء التي أمرنا بتركها فأقول : إن الأشياء التي أمرنا بتركها لنا فيها نظران : الأول : صحة هذا الترك ، الثاني : الثواب على هذا الترك ، فأما صحة الترك فإني لا أعلم أحداً من أهل العلم السابقين والمعاصرين يشترط فيه النية، بحيث لو لم ينو لم يصح تركه ويأثم على هذا الترك أو كأنه والفاعل له سواء في المنزلة لأنه لم ينو تركه ، هذا لا أعلم أحداً قال به ولا أظن أحداً يؤمن بالله واليوم الآخر يقول به، بل إن المكلف بمجرد تركه لفعل الحرام يصح تركه هذا ولا يأثم ، لأن الإثم في المحرم يترتب على الفعل أو على عقد العزم الجازم عليه ، أما من لم يفعل فإنه لا يأثم فتركه صحيح ولا إثم فيه، ولو لم ينو، وهذا يكفينا فيه إجماع العلماء، لكن الأمر الثاني وهو الثواب على هذا الترك فإنه لا يكون أبداً إلا إذا نوى المكلف أن يتقرب إلى الله بهذا الترك بحيث يستشعر التعبد لله بترك الحرام فإذا نوى الترك تعبداً لله جل وعلا فإنه مع كون تركه صحيحاً يثاب على هذا الترك، فصار ما أمرنا بتركه لا نثاب عليه إلا بالنية الصالحة، أما مجرد صحة الترك فهذا لا دخل للنية فيه أبداً ، فهذا الإجماع من أهل العلم صار مخصصاً لعموم (إنما الأعمال بالنيات) فخرج منها التروك أعني صحة التروك لا الثواب عليها . ولذلك من وقعت عليه نجاسة فزالت بنفسها عاد حكم المحل كما كان لكن لا يؤجر المكلف على زوال هذه النجاسة لعدم النية، لكن لو غسلها متقرباً لله بالتنزه عن النجاسات فهذا يؤجر على هذه النية الصالحة فهذا يفيدك أنه ينبغي لمن نصح لنفسه وأراد الأجر أن يستشعر التقرب إلى الله بهذا الترك ، فهذا بالنسبة للمأمور بتركه .
تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٤١٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٤١٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي