الثاني : أن في الحديث تفسير أيضاً للتفرق وهو قوله ((ما لم يتفرقا وكانا جميعاً)) وهما جميع مادامت أبدانهما في المجلس فإذا تفرقت الأبدان زال وصف الاجتماع فحصل الافتراق وعلى كلٍ فالمقصود هو أن تفسير ابن عمر لما رواه معتمد مقدم على غيره .
ومنها : في الصحيحين من حديث أبي أيوب مرفوعاً (( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائطٍ ولكن شرقوا أو غربوا )) فاختلف العلماء هل هو نهي عام في الصحراء والبنيان ؟ أم في الصحراء دون البنيان ؟
في المسألة أقوال كثيرة ، والمهم عندنا أن من رجح إطلاق النهي اعتمد على تفسير أبي أيوب لما رواه ، وهو أنه قال " فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل " ففهم أبو أيوب - رضي الله عنه - العموم لأن هذه المراحيض كانت في البيوت ومع ذلك كانوا ينحرفون عنها ويستغفرون الله عز وجل ، فهذا التفسير يؤيد إرادة عموم النهي في الحديث لأن تفسير الراوي مقدم على غيره ما لم يخالف ظاهر الحديث ، فإن قلت : في الصحيحين أيضاً عن ابن عمر قال " رقيت يوماً على بيتٍ لنا فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة " ثم فسره ابن عمر كما في سنن أبي داود من حديث مروان بن الأصفر أنه رأى ابن عمر أناخ بعيره وجعله بينه وبين القبلة فبال ، فقلت : أبا عبد الرحمن ألم ينه عن ذلك ؟ فقال : بلى ، إنما نهي عن ذلك في الفضاء ، لكن إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس ، فابن عمر هنا قصر حديث النهي بما إذا انعدمت السترة أما مع السترة فلا نهي ، وهذا تفسير منه للفعل الذي رآه من النبي - صلى الله عليه وسلم - على بيت حفصة وتفسير الراوي مقدم على غيره ما لم يخالف ظاهر الحديث فلماذا قدمتم تفسير أبي أيوب على تفسير ابن عمر مع أن تفسير ابن عمر فيه إعمال للأدلة كلها ؟