ويجاب عنه : بأن الأصل عدم الخصوصية إلا بدليل يدل عليها ، وبأن ما ثبت في حق الواحد من الأمة فإنه يثبت في حق الأمة إلا بدليل يخصصه ، هذا إذا سلمنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة الغائب إلا على النجاشي فقط ، وإلا فقد روي من طرقٍ قد يعضد بعضها بعضاً أنه صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو مات بالمدينة والنبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك .
وعلى القول بأن حديثه ضعيف فيكفيك القاعدة التي نحن بصدد شرحها وهي أن حكمه - صلى الله عليه وسلم - على الفرد حكم للأمة إلا بدليل فلما جازت الصلاة على الغائب في حق النجاشي فإنها تجوز في حق جميع الأمة إلا بدليل .
الثاني : أن الصلاة على الغائب خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وما أسمج هذه الدعوى ذلك لأن حكمه - صلى الله عليه وسلم - وحكم أمته واحد ما لم يرد دليل التخصيص ورحم الله الإمام النووي إذ قال : " إنه لو فتح باب هذا الخصوص لانسد كثير من ظواهر الشرع " أهـ . وإنها بحق كلمة خبيرٍ بأصول الشريعة وقواعدها وإنك لتعجب من بعض الناس إذا خالف الدليل مذهبه قال : إنه خاص بصاحبه ، وهذه دعوى فيها إبطال للشريعة جملة ، وفيها فتح باب الشر على مصراعيه ، وإن هاتين القاعدتين لتسد على هؤلاء الباب وتقف في وجوههم وتصيح بهم زاجرةً عن مثل هذه الاعتراضات الباردة التي مضمونها إبطال الأدلة وقصورها على أصحابها فالله المستعان .
وقال ابن العربي : " قال المالكية : ليس ذلك – أي الصلاة على الغائب – إلا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، قلنا : وما عمل به محمد تعمل به أمته ، يعني لأن الأصل عدم الخصوص " أهـ كلامه وفيه فقر من كلامي من باب التوضيح .
إذا تقرر لك هذا فالصواب الذي لاشك فيه جواز الصلاة على الغائب ، ثم اختلف من أجازها ، هل يصلي على كل غائب أم هو غائب مخصوص ، ومحل بحثها في موضع آخر . والله أعلم .