تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الأدلة أيضاً : أن جمعاً من الشباب أتوا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسألوا عن عبادته في بيته من صيامٍ أو صلاةٍ أو ذكرٍ ونحوها ، فلما أخبروا بها فكأنهم تقالوها فقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ثم عزموا على أن يلزموا أشياء من باب التعبد فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فصعد المنبر – لأنها قضية منهج – فحمد الله وأثنى عليه فقال : ((أما بعد ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ، أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) والحديث في الصحيح ، ووجه الاستشهاد منه من وجوه أحدها : أن المتقرر في ذهن هؤلاء الشباب جواز الاقتداء به فيما ثبت له ولذلك سألوا أزواجه عن العبادات التي يفعلها في بيته إذ لو كان حكمه يختلف عن حكم أمته لما تكلفوا ذلك ، الثاني : أن أزواجه اللائي سئلن قد أجبن مما يدل على أنهن يعتقدن أن حكم أمته كحكمه فلو كان الأمر ليس كذلك لقلن لمن سألهن : لا شأن لكم بما ثبت في حقه لأن هذا يخصه ، فلما لم يقلن ذلك بل أجبن فهذا يدل على أن هذه القاعدة مما تقرر في قلوبهم ، الثالث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بلغه خبر سؤال هؤلاء ليقتدوا به ، لم ينكره بل أقره وإنما أنكر ما ابتدعوه من عند أنفسهم من أفعالٍ ظنوها عباداتٍ وهي في حقيقتها مخالفة للسنة ، فكأنه قال : إن ما بلغكم من عباداتي مما أخبركم به أمهات المؤمنين هو الذي ينبغي الاقتداء به لأنه هو سنتي وأما ما أتيتم به من عند أنفسكم فاتركوه فإن من رغب عن سنتي فليس مني ، وهذا يدل أن حكمه وحكم أمته واحد ، إذ لو كان الأمر ليس كذلك لأنكر عليهم السؤال أصلاً ، فانظر كيف فهم الجميع هذه القاعدة مما يدل على أنها متقررة في نفوسهم أشد استقرار ، وهي التي ندين الله جل وعلا بها .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٣٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٣٨٣