تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الأدلة أيضاً : أن العلماء أجمعوا أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وهذا القول أو الفعل الذي وقع في عهده وبلغه مما يحتاج الناس إلى بيانه لتعلقه بأمر دينهم أو دنياهم ، فالحاجة إلى بيانه ماسة فلما سكت عن بيانه بالقول والفعل فأننا نستفيد بيانه من سكوته وترك إنكاره ، فهذا هو البيان الواجب عليه فمع حلول وقت الحاجة للبيان يمتنع إجماعاً تركه للبيان ، فجعلنا تركه للبيان بياناً ، وقد تقرر في الأصول أن البيان يحصل بالقول وبالفعل وبالإقرار ، وهنا لا قول ولا فعل فلم يبق إلا الإقرار فدل ذلك على أن بيانه بالإقرار حجة . فلهذه الأدلة قلنا : إقراره حجة ، وهذه القاعدة لها تأثير في الفروع ليس بالسهل ونذكر شيئاً من ذلك :

فمنها : في الصحيح أن حبراً من أحبار اليهود جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد أنا نجد في التوراة أن الله يضع يوم القيامة السموات على إصبع والأرضين على إصبع والثرى والجبال على إصبع والماء على إصبع قال الراوي : "فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - تصديقاً لما يقول الحبر" فانظر كيف قال الراوي : " تصديقاً لما يقول الحبر " فاستنبط الراوي من السكوت وعدم الإنكار مع التبسم الإقرار وصحة ما قال الحبر ، فاستنبط منها أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى عقيدة وهي : أنهم يثبتون لله الأصابع اللائقة بجلاله وعظمته ليست كأصابع المخلوقين والاتفاق في الأسماء لا يستلزم الاتفاق في الصفات ، فصار هذا الإقرار دليلاً لهذه الصفة لأن الإقرار حجة إذ لو كان ما قاله الحبر خطأً لما سكت ولما تبسم فلما سكت عن الإنكار وأيد هذا السكوت بالتبسم دل ذلك على أنه رضي بما قال الحبر ولذلك أنزل الراوي سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - وعدم إنكاره مع تبسمه تصديقاً .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٣٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٣٦٥