تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما طوافهم بالبيت عراه فيجاب عنه بجوابين : الأول : أن الدعوة مراتب فيبدأ فيها بالأهم فالمهم ولا شك أن طوافهم بالبيت عراة ليست بأهم من دعوتهم إلى التوحيد ونبذ الآلهة ، وهذا هو الأسلوب الناجح ، فالمخالفة في التوحيد موجبة للنار والطواف بالبيت عراه شيء فروعي يأتي التنبيه عليه بعد حين ، والشرائع تأتي تباعاً فأين الدليل الآمر له أن ينكر عليهم طوافهم بالبيت عراه ؟ فلعله وقتئذٍ لا يعلم حكمه وإن سلمنا أنه علمه فلكل شيء وقته ، فأهل مكة كانوا على الشرك ويطوفون بالبيت عراة ، ودعوتهم إلى نبذ الشرك واستقصاء الوقت فيها أهم من غيرها . الثاني : أن يقال : من أين لكم أنه لم ينكر فإن المعلوم من حاله - صلى الله عليه وسلم - إنكار جميع ما عليه أهل الجاهلية من العادات والاعتقادات الباطلة التي ورثوها من آبائهم ، ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة فإنه داخل في هذا المعلوم من حاله - صلى الله عليه وسلم - فأين الدليل على أنه كان يراهم ولا ينكر عليهم ؟ فإن قلتم عدم النقل قلنا: عدم النقل ليس دليلاً على العدم إذا كان أصل الشيء ثابتاً ، وأصل الإنكار على جميع عادات المشركين كان موجوداً فعدم نقل إنكاره عادة بعينها لا يدل على عدمه كما تقرر في الأصول ويؤيد ذلك أن الله تعالى قال : ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ وهي في سورة الأنعام وهي مكية بالاتفاق ، بل قيل في سبب نزولها هو طوافهم بالبيت عراة ، فكيف تقولون إنه رآهم وأقرهم ، فالصواب عندي والله أعلم أن هذين الشرطين لا داعي لهما ، وأن الإقرار حجة مطلقاً لجميع الأقوال والأفعال التي فعلت في عهده - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكرها وإن قول بعض الفقهاء : هذا الفعل حجة إن علم به ، إيراد غير وارد لأننا نجزم أنه علم به بالإخبار أو بالوحي ، هذا ظننا وما وصل إليه نظرنا بالتتبع والله يتولانا وإياك ونستغفر الله ونتوب إليه .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٣٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٣٦٣