قد تكلمنا سابقاً أن طرق إثبات المشروع من السنة إما القول أو الفعل أو الترك أو الإقرار ، وهذه القاعدة تخص الإقرار فإليك الكلام عنه بالتفصيل والتدليل والتفريع فأقول : المراد بالإقرار أي السكوت وعدم الإنكار ، وقد يصاحب ذلك إظهار الرضى أحياناً ، أو تحسيناً له ، أو ضحكاً منه على جهة السرور به ،كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فهذا هو معنى الإقرار ، فإذا فعل أحد فعلاً أو قال قولاً في عهده - صلى الله عليه وسلم - إما بحضرته وهو يرى ويسمع أو في غيابه وعلم به وقدر على إنكاره ولم ينكر فإن ترك الإنكار مع القدرة دليل الرضى بهذا الأمر الذي قيل أو فعل ، وأقل أحوال الرضى الجواز ، فهذا الرضى يفيد الجواز لما حصل ، ولا يستفاد منه أكثر من ذلك إلا بدليل آخر ، ولكن اشترط الفقهاء رحمهم الله تعالى للاحتجاج بالإقرار على الجواز شرطين : الأول : أن يعلم بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - إما لأنه رآه أو سمعه ، وإما بإخباره بما حصل وإما بوحي من رب الأرض والسماء ، وأقول : إنه لا يمكن أبداً أن يفعل أحد فعلاً أو يقول قولاً له تعلق بالتشريع في عهده - صلى الله عليه وسلم - إلا لابد أن يصله خبره إما بإخبار أصحابه أو بإخبار من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وخصوصاً إذا كان هذا القول أو الفعل قيل أو فعل على وجه الخطأ ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم بالأمر أحياناً قبل فعله بل بمجرد هَمِّ صاحبه به ويعلم به بعد الفعل مع أن أحداً لم يطلع عليه ولكن تَمَّ ذلك بالوحي من الذي يعلم السر وأخفى ، فهذا الشرط في الحقيقة قد يستغنى عنه بإخبار الوحي له بما قيل أو فعل ، الثاني : القدرة على إنكاره ، وذلك لأنه مع العجز عن الإنكار لا يُعَدُّ مقراً ويمثل لها الأصوليون بحاله - صلى الله عليه وسلم - إذ كان بمكة مع أهل مكة فإنه كان يراهم يطوفون بالبيت عراة وكانت الأصنام حول البيت ولا ينكر ذلك - صلى الله عليه وسلم -
تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٣٦١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٣٦١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي