ومنها : اختلف أهل العلم والفضل في أكل الصيد للمحرم بعد اتفاقهم على أنه لا يجوز له مباشرته ، فقال بعضهم : يحرم الأكل من لحم الصيد على المحرم مطلقاً واستدلوا بحديث الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - حماراً وحشياً فرده عليه وقال ((إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرُم )) متفق عليه ، فأقتصر في تعليل الامتناع من الأكل على كونه محرماً فدل على أنه سبب الامتناع خاصة ، وهو قول علي وابن عباسٍ وابن عمر والليث والثوري وإسحاق ، وذهب الكوفيين وطائفة من السلف إلى جواز أكل الصيد مطلقاً مستدلين بحديث أبي قتادة الآتي وغيره وكلا القولين فيه إعمال لبعض الأدلة فقط وإطراح لبعضها وهذا لا يجوز ، وذهب بعض العلماء إلى جواز الأكل من لحم الصيد ما لم يصده ابتداءً أو إعانة أو يصد من أجله ، واستدلوا بحديث أبي قتادة المتفق عليه وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه (( هل أحد منكم أمره أو أشار إليه بشيء ؟ قالوا : لا ، قال : فكلوا ما بقي من لحمه )) وهو مذهب الجمهور ، وهو القول الراجح إن شاء الله تعالى ، وذلك لأنه القول الذي به تعمل الأدلة كلها ، ولا يبقى منها دليل .
فإن قلت : دلالة حديث أبي قتادة واضحة في أن المحرم لا يأكل من الصيد الذي شارك فيه أو انفرد بصيده، لكن ما وجه دلالة حديث الصعب بن جثامة في تحريم ما صيد من أجل المحرم ؟ فأقول : هذا سؤال جيد يوضحه حديث جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ((صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم)) رواه الخمسة إلا ابن ماجه فهذا الحديث المقيد تحمل عليه الأحاديث المطلقة في الأكل وعدم الأكل ، وحمل المطلق على المقيد واجب ، وقد وردت زيادة في حديث الصعب بن جثامة بلفظ (إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم وقد صدته من أجلنا) فترجح بذلك قول الجمهور من أن المحرم يجوز له أكل الصيد بشرطين :