تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذه من جملة المؤيدات للقول بالنسخ ، قال الآخرون : أما الأول : فإن الجمهور على خلافه فهم يبنون المطلق على المقيد من غير بحثٍ عن المتقدم والمتأخر فالتأخر والتقدم لا تأثير لها في باب المطلق والمقيد ولا في باب الخاص والعام ولا المحكم والمتشابه ، وإنما تؤثر معرفة التاريخ في باب الناسخ والمنسوخ ، فورود المطلق بعد المقيد لا يكون مانعاً من بناء المطلق على المقيد . وأما الثاني: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤخر البيان وقت الحاجة لأنه قد تقدم البيان منه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة – أعني بيان القطع – أمام العدد الذي يحصل به البلاغ التام ثم لا نسلم أن أهل الحج كانوا يجهلون وجوب القطع ، فإن أهل المدينة الذين سمعوا ذلك يغلب على الظن أنهم بلغوه لأهل الحج ، فإنهم حريصون على نقل العلم للمحتاج ، وهذا وإن كان احتمالاً فلا أقل أن يكون أرجح من احتمال سكوتهم عنه مع رؤيتهم من يخالفه جهلاً به ، وجنح بعض العلماء إلى الترجيح بين حديث ابن عمر وابن عباس ، لكن ليس بصحيح لإمكانية الجمع بينهما كما ذكرت من حمل المطلق على المقيد والمسألة اجتهادية.

قال المدعون للنسخ : إن القطع فيه إتلاف للأموال .

قلنا : لا والله ليس هذا من باب الإتلاف في شيء لأن الإتلاف هو إنفاق المال فيما نهي عنه ، وأما إتلافه فيما أمر به فهو طاعة وقربة لا إتلاف .

والمرجح عندي والله أعلم قول من بنى المطلق على المقيد وأعمل الدليلين كليهما لأن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن ، ويوضح بطلان دعوى النسخ أن هناك أشياء من المناسك ذكرت في حديث ابن عمر ولم تذكر في حديث ابن عباس ولا حديث جابر ، فهل هي منسوخة أيضاً ، وذلك كتحريم لبس القمص والبرانس والعمائم والثياب التي مسها الزعفران أو ورس، فكيف يقولون فيها فهو قولنا في القطع، والله تعالى أعلى وأعلم.

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٣٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٣٥٧