ونعني بالحقيقة الشرعية أي التي أمر الشارع بها ، فإن الشريعة قد علقت العبادات على أشياء كثيرة ، لا تكون هذه العبادة حقيقة شرعية إلا إذا اكتملت جميع هذه الأشياء، فإذا اختل شيء منها خرجت عن حد الحقيقة الشرعية ، فلا يكون المأتي بها عين المأمور به ، ومثال ذلك الصلاة فإنها مركبة من شروط وأركان وواجبات ، فإذا استوفى المكلف شروطها وأركانها وواجباتها فقد أقامها حق قيامها وأتى بحقيقة الصلاة الشرعية ، لكن إذا اختل ركن منها أو شرط ، كأن صلى بغير طهارة أو لم يسجد عمداً ، فهذه الصلاة التي فعلها ليست هي الصلاة التي أمره الشارع بها فإذاً لا تكون عبادة حقيقية شرعية إلا إذا استوفى المكلف جميع ما اشترطته الشريعة فيها ، فهذه الشروط بمجموعها هي الحقيقة الشرعية.
وكالوضوء مثلاً لا يكون حقيقة شرعية إلا بالنية ، فلو توضأ المكلف بلا نية فلا يكون ما فعله هو الوضوء الشرعي لاختلال شرط من شروط الحقيقة الشرعية .
إذا علمت هذا فاعلم أننا نعلم نفي الحقيقة الشرعية بنفي الفعل بـ (لا) النافية للجنس ، فإذا وردت العبادة منفية بلا النافية للجنس فإن النفي يتوجه إلى الحقيقة الشرعية ، بمعنى أنها لا تكون حقيقة شرعية إلا بهذا الشيء الذي علقت عليه ، فتوجد عنده وتتخلف بتخلفه ، هذا هو الراجح من أقوال أهل الأصول ، فلا تقع العبادة صحيحة إلا بما علقت عليه ، هذا هو مذهب الجمهور ، فيما أعلم – والله أعلم – هذا إذا كان لم يعارضه دليل آخر ، فإذا ورد دليل آخر صحيح يصحح هذه العبادة حتى مع تخلف هذا الشرط ، فإننا ننتقل حينئذٍ من نفي صحة العبادة إلى نفي كمالها ، توفيقاً بين الدليلين ، فهي إذاً مرتبتان : الأولى : أن تحمل النفي على نفي الحقيقة الشرعية بمعنى نفي الصحة .
الثاني : إذا لم يمكن ذلك فإننا نحمل النفي على نفي الكمال ، فالحقيقة الشرعية موجودة وصحيحة لكنها ناقصة ، فالمنفي كمالها ، هذا هو الراجح إن شاء الله تعالى .