ومنها : كره جمع من أهل العلم للصائم الاستياك بعد الزوال ، فقلنا : إن الكراهة حكم شرعي يفتقر في ثبوته للدليل الصحيح ، قالوا عندنا دليلان أحدهما حديث علي مرفوعاً (( إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي )) ولأن السواك يذهب خلوف فم الصائم المستحب بقاؤه لأنه أثر عبادة ولأنه أطيب عند الله من رائحة المسك .
قلنا : هذه الأدلة معتلة ، أما الحديث فهو ضعيف جداً ، بل قيل موضوع وليس ببعيد . وأما الثاني فإن الخلوف ينشأ من المعدة لخلوها من الطعام ، والسواك لا يذهبه ولئن سلمنا أنه يذهبه فإن السواك مرضاة للرب فهو خير من ريح المسك ، كيف وعندنا حديث عامر (( رأيته ما لا أحصي يستاك وهو صائم )) وخبر عائشة (( خير خصال الصائم السواك )) وإذا نوقشت هذه الأدلة فيكفينا الأدلة العامة الآمرة بالسواك والمرغبة فيه في جميع الأوقات ، وقد تقرر في الأصول أن المطلق يبقى على إطلاقه حتى يرد المقيد ، فالصواب عدم الكراهة وهي رواية عن أحمد واختارها أبو العباس وابن القيم وجمع ، بل هي مذهب عمر وابن عمر وابن عباس وعائشة ، فالقول بالكراهة مردود لأن الكراهة حكم شرعي والحكم الشرعي لا يثبت إلا بالدليل الصحيح والله أعلم .
ومنها : استحب بعض الشافعية بعض الأدعية في أثناء الوضوء عند غسل الوجه ونحوه ، ويروون في ذلك أحاديث ، لكن كلها ضعيفة أو موضوعة ، فقد قال النووي فيها : " لا أصل له " ، وقال ابن الصلاح : " لا يصح فيه حديث " وقال ابن القيم : " ولم يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئاً غير التسمية ، وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق لم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً فيه ولا علمه لأمته ... "
فثبت بذلك أن هذا الدعاء لا يصح فلا يثبت به حكم شرعي لأن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة ، والله أعلم .