والمقصود : أنه إذا تكلم الشارع بلفظةٍ لها حقيقة لغوية وحقيقة شرعية فالأصل أن يحمل كلامه على الحقيقة الشرعية حتى يرد الناقل ، ومن قال : إن المراد هو الحقيقة اللغوية فعليه الدليل لأن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من المثبت عليه .
هذا ما تحرر عندي في هذه القاعدة وإليك بعض الفروع الفقهية لترى كيف تأثيرها على خلاف العلماء فأقول :
منها : قد ذكرنا سابقاً خلاف العلماء في النقض بأكل لحم الإبل ، وأن الراجح هو أن لحم الإبل ينقض الوضوء واستدللنا على ذلك بحديث (توضؤوا من لحوم الإبل) وغيره ، إلا أن بعض الذين قالوا : لا ينقض ، أجابوا عن هذه الأحاديث بأن المراد بلفظ الوضوء الوارد في الأحاديث إنما هو غسل اليدين ، فغسل اليدين يسمى وضوءاً ، والجواب عن ذلك أن لفظ الوضوء ورد في كلام الشارع ، والأصل حمله على الحقيقة الشرعية وحقيقته الشرعية هي استعمال الماء الطهور على الأعضاء الأربعة بنية بصفةٍ مخصوصة ، فيجب حمل الوضوء المذكور في الحديث على الوضوء الشرعي لا مجرد غسل اليدين ، فهذا الإيراد مخالف لأنه مخالفة للأصل بلا دليل ، فهو مردود على قائله . والله أعلم .
ومنها : حديث أبي الدرداء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاء فتوضأ " فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال صدق أنا صببت له وضوءه " رواه أحمد والترمذي ، ففسر الوضوء هنا بأنه غسل اليدين والفم فقط ، لكن الصواب أن المراد به الحقيقية الشرعية المعروفة وهي الوضوء للصلاة لأن الحقائق الشرعية مقدمة على الحقائق اللغوية. والله أعلم.