الثالث : الحقيقة العرفية : وهي استعمال اللفظ فيما وضع له في العرف ، كاستعمال لفظ الدابة فيما يركب فقط ، واستعمال لفظ الرأس المأكول في رأس بهيمة الأنعام فقط دون غيرها ، وهكذا ، وإن الموفق هو الذي رزقه الله التمييز بين هذه الحقائق،
واعلم أن فائدة هذا التقسيم هو أن يحمل اللفظ على عرف المتكلم به ، فإن كان المتكلم به من أهل اللغة فيحمل على الحقيقة اللغوية ، وإن كان المتكلم به الشارع فيحمل على الحقيقة الشرعية ، وإن كان من أهل العرف فيحمل على الحقيقة العرفية .
إذا علمت هذا فاعلم : أنه إذا تكلم الشارع بلفظةٍ لها حقيقتان ، لغوية وشرعية ، فإن الأصل هو حمل هذه اللفظة على الحقيقة الشرعية حتى يرد الناقل الدال على إرادة الحقيقة اللغوية فإذا ورد انتقلنا وإلا فالبقاء على الأصل هو المتعين ، ولأن الأصل في الكلام الحقيقة فلا يصار إلى غيرها إلا عند تعذرها وحقيقة كلام الشارع هو الحقيقة الشرعية المتقررة عنده ، ذلك لأن الحقائق الشرعية لها حقائق لغوية ، ولذلك علماء الفقه والأصول يعرفون المصطلحات الشرعية لغة وشرعاً ، أي يبينون لك الحقيقة اللغوية ثم يبينون الحقيقة الشرعية ، فبه تعلم أن الحقائق الشرعية هي بعينها الحقائق اللغوية لكن أضيف لها شروط وضوابط وصفات ، وهذا القول هو الصحيح وهو اختيار أبي العباس ابن تيمية رحمه الله ، فليست هي – أعني الحقائق الشرعية – ليست منقولة عن حقائقها اللغوية نقلاً تاماً ، بل هي باقية على حقائقها اللغوية لكن أضيف لهذه الحقيقة اللغوية شروط وضوابط وصفات صارت بهذه الشروط حقيقة شرعية ، بل إن الشارع استعملها استعمالاً كثيراً بحيث لا يفهم منها عند الإطلاق إلا الحقيقة الشرعية .