ومنها : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (( من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل من الوزر ومن قال : صه فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له )) رواه أحمد وأبو داود ، ولأحمد من حديث ابن عباس (( والذي يقول له أنصت ليست له جمعة )) فهذه الأحاديث فيها قوله (( فلا جمعة له )) وقوله (( ليست له جمعة )) فالأصل أن النفي يتوجه للصحة ، فجمعة من لغا لا تصح ، هذا هو الأصل في النفي ، لكن هذا الظاهر غير مراد ، بل المراد هنا نفي الكمال لا الصحة ، والدليل على ذلك إجماع أهل العلم رحمهم الله تعالى أن الفرض عنه سقط ، فلا يلزمه إعادة الجمعة ولو وجدت جمعة أخرى في مكان آخر ولا يلزمه أن يصلي الظهر بدلاً عن بطلان جمعته وهذا بالإجماع – فيما أعلم وأظن – والله أعلم ، فيكون المعنى : لا جمعة كاملة ، فيسقط من أجر الجمعة بقدر ما لغا فيها بل قد تكون ذاهبة الأجر بالمرة ، ويوضح ذلك حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال : (( جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماً على المنبر فخطب الناس وتلا آية وإلى جنبي أبي بن كعبٍ فقلت له يا أبي : متى أنزلت هذه الآية ؟ فأبى أن يكلمني ، ثم سألته ، فأبى أن يكلمني حتى نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لي أبيّ : ما لك من جمعتك إلا ما لغيت ، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جئته فأخبرته فقال : صدق أبيّ ، فإذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ )) رواه أحمد ، وهو من رواية شريك بن عبد الله القاضي وفيه مقال لكن له شواهد يرتقي بها إلى الصحة ، وقال في مجمع الزوائد ورجال أحمد ثقات ، فهو دليل على ما قلناه إذ لو كان المنفي الصحة لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا الدرداء بالإعادة فدل على أن المنفي هو الكمال والله أعلم.
تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٣١٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٣١٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي