ومنها : اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في ثبوت الشفعة للجار ، على أقوال : أصحها ثبوت الشفعة له إذا كان طريقهما واحداً ، ويستدل لذلك بحديث عبد الملك ابن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( الجار أحق بشفعة جاره ينتظر به وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً )) رواه الخمسة إلا النسائي ، وحسنه الترمذي ، وهو اختيار أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، إلا أنه قال بجواز الشفعة للجار إذا كان بينهما منفعة مشتركة ككون الطريق واحداً ، وهو صحيح لأن العلة في ثبوت الشفعة ليس لذات الطريق وإنما لأن فيه منفعة مشتركة بينهما ، فقيس عليه كل منفعة ، فإن قيل : ألم يقل جابر - رضي الله عنه - قضى - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ، فمفهومه أن ما قسم وعرفت حدوده فإنه لا شفعة فيه وقد صرح آخر الحديث بهذا المفهوم ، والجار قد عرفت حدوده من حدود جاره والطرق بينهما قد صرفت ، فكيف تقول بالشفعة بينهما مع أن هذا القول مخالف لمفهوم حديث جابرٍ وأنت تقول إن مفهوم المخالفة حجة ، بل وخالفت المنطوق أيضاً أعني قوله (فإذا وقعت الحدود ... الخ) فخالفت المنطوق والمفهوم فما جوابك ؟
فأقول : نعم . إن مفهوم الحديث يقضي أنه لا شفعة فيما قسم لكن هذا المفهوم عام في كل مالٍ مقسوم ، وقد خصصه حديث (الجار أحق بشفعة جاره ... الخ) والخاص مقدم على العام ، فنحن نعمل المفهوم لكن في غير الجار الذي بينه وبين جاره منفعة مشتركة ، وهذا واضح ، فإن قلت : بما أن الشفعة للجار ثابتة فلماذا قيدته بوجود المنفعة ؟ فأقول : إن قوله (إذا كان طريقهما واحداً) يدل بمفهومه أنه إذا لم يكن بينهما منفعة مشتركة فلا حق لأحدهما في الشفعة على الآخر ، فأعملنا المفهوم هنا لأن مفهوم المخالفة حجة . والله أعلم .