ومنها : قوله تعالى ﴿ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ فإني قد رأيت بعض الفضلاء من الأصوليين يمثلون به على الشرط الذي لا مفهوم له ، فيقولون قد حرم الله على المعتكف جماع زوجته في المسجد ، لأنه قال ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ أي حال كونكم في المساجد ، فمفهوم هذا الشرط أنه يجوز له أن يجامعها إذا كان في بيته لا في المسجد ، وهذا لا يجوز بإجماع العلماء فإن فعل فهو مبطل لاعتكافه عند جميعهم ، فإذاً لا يقال بمفهوم المخالفة من هذا الشرط ، كذا قال هذا البعض من الفضلاء ، قلت : وليس هو كذلك ، بل الصواب والله أعلم أن قوله ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ لم يذكر لتعيين محل الجماع الذي يحرم على المعتكف فعله فيه ، وإنما التحريم منصب على حالة كونه معتكفاً في المسجد ، ذلك لأن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد وإذا خرج إلى بيته لحاجة الإنسان من غائط أو بولٍ أو معاشٍ لابد منه أو طعام وشراب ونحوه فهذا الخروج لا يبطل كونه معتكفاً في المسجد فيحرم عليه المباشرة لأنه معتكف في المسجد ، حتى لو خرج يسيراً لحاجة فهو معتكف في المسجد ، فكان قوله ﴿ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ مبين لمحل الاعتكاف لا أن يبين محل المباشرة المحرمة ، فقوله ﴿ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ جار ومجرور متعلقه قوله ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ ﴾ وليس متعلقه قوله ﴿ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ ﴾ ويوضح هذا أن المباشرة في المسجد محرمة مطلقاً على المعتكف وغيره ، فلا تأثير للمسجدية هنا في تحريم المباشرة وإنما التحريم منصب على وصف الاعتكاف ويوضحه سبب نزول هذه الآية فراجعه في تفسير ابن كثير إن شئت ، هذا ما لاح لي من الآية فعلى هذا لا تكون متعلقة بما نحن فيه ، وإنما ذكرت هذا الفرع هنا للتنبيه عليه . والله أعلم .
تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٢٨٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٢٨٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي