ومن الأدلة أيضاً : أن الشارع حكيم فصيح ، ومن الفصاحة والحكمة ألا يقحم في الكلام ما ليس فيه فائدة ترجى ، ولا حكمة تقصد ، والمطلوب اختصار الكلام دون التطويل ، والشارع ذكر هذا القيد وأقحمه في الكلام فلابد أن يكون لذكره فائدة وهذه الفائدة هي تعليق الحكم به ونفيه عما عداه ، إذ لو لم نقل بذلك لكان وجوده كعدمه وهذا هو العبث وكلام الشارع منزه عنه ، فيثبت الحكم بوجود هذا القيد وينتفي بانتفائه .
ومن الأدلة : أن إعمال الكلام أولى من إهماله باتفاق العقلاء ، وهذا واجب في كلام المخلوقين فكيف بكلام رب العالمين وكلام سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا قيد الكلام بقيدٍ فلابد من إعماله وإعماله لا يكون إلا بإثبات الحكم بوجوده – أعني بوجود القيد – ونفيه عند عدمه ، إذ لو كان الحكم ثابتاً أيضاً عند عدمه لكان وجود القيد كعدمه وهذا إهمال وإطراح له ، وقد تقرر أنه لا يجوز في كلام المخلوقين ، فلئن لا يجوز في كلام الشارع من باب أولى وأحرى .
فهذه الأدلة تدل على أن مفهوم المخالفة حجة كما هو مقتضى القاعدة المقررة .
إذا علمت هذا فاعلم أن العلماء رحمهم الله تعالى اشترطوا للاحتجاج بمفهوم المخالفة شروطاً منها ما هو مقبول ومنها ما هو مردود ، وسيأتي طرف منها إن شاء الله تعالى في الكلام على الفروع ، وإليك الآن بعض الفروع على هذه القاعدة المفيدة لترى كيف تأثيرها فأقول :
منها : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في زكاة الغنم (( وفي الغنم في سائمتها في كل أربعين شاةٍ شاةٌ )) وقال عليه الصلاة والسلام في زكاة الإبل من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعاً (( في كل إبلٍ سائمة في كل أربعين ابنة لبون )) فقيد النبي - صلى الله عليه وسلم - الغنم والإبل بوصف (السائمة) وهذا القيد لابد أن يعمل ولا يجوز إهماله فهو دليل على وجوب الزكاة في السائمة فقط ويفهم منه أن المعلوفة لا زكاة فيها .