ومن ذلك : أن ابن عباس رضي الله عنهما فهم من قوله تعالى ﴿ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ﴾ فهم رضي الله عنه أن الأخت لا ترث مع البنت لأن البنت ولد ، ففهم من هذا القيد ﴿ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ نفي الحكم عند وجوده ، وفهمه لاشك حجة لأنه من أفصح العرب لساناً كيف وهو ترجمان القرآن ، فهذا هو مفهوم المخالفة .
ومن ذلك : ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( لما توفي عبد الله بن أُبيّ جاء ابنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما خيرني الله فقال ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ وسأزيد على السبعين )) ففهم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن تقييد عدم نفع الاستغفار بالسبعين نفي الحكم عما زاد ، ففهم من القيد حكماً ومن نفيه حكماً وهذا هو مفهوم المخالفة وقد رَدَّ به – أعني بالمفهوم – على عمر فهو حجة إذاً عنده - صلى الله عليه وسلم - فكيف يحتج به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو لم يكن حجة وكيف لا يجيبه عمر ويقول هذا مفهوم مخالفة وليس بحجة ، مما يدل على أن الجميع يراه حجة مقبولة .
فهذا فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وفهم الصحابة وسادات السلف ، وخير طريق لفهم الشرع هو من طريق السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم .