تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منها : أن فصحاء العرب كانوا يفهمون من تقييد الكلام بشرطٍ أو قيدٍ أو صفة ، ثبوت الحكم فيه خاصة ونفيه عما عداه ، وهذه المسألة لغوية وفهمهم حجة ، ومن باب التمثيل قد حصل ذلك لبعض الصحابة والتابعين وأئمة السلف ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (( يقطع صلاة الرجل المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل المرأة والحمار والكلب الأسود )) فقال عبد الله بن الصامت لأبي ذرٍ : ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض ، فقال أبو ذر : يا ابن أخي سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما سألتني فقال : (( الكلب الأسود شيطان )) فانظر إلى هذين الرجلين : أبي ذرٍ وعبد الله بن الصامت فإنهما فهما من تقييد الكلب بالأسود نفي الحكم عما عداه وهذا هو مفهوم المخالفة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على أبي ذرٍ سؤاله وفهمه بل أقره على فهمه وهو نفي الحكم عما عداه المذكور ، مما يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - قصد بهذا القيد نفي الحكم عن ما عداه ، وهو أفصح العرب لساناً وأبو ذرٍ وابن الصامت من فصحاء العرب.

ومن ذلك : ما رواه أبو داود وغيره في سننه أن أبو يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب : ما لنا نقصر وقد أمنا والله تعالى يقول ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فقد أمن الناس ، فقال عمر : عجبت مما عجبت منه فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال (( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته )) فهذا عمر وأبو يعلى رضي الله عنهما فهما من تقييد قصر الصلاة بالخوف نفي القصر فيما عدا ذلك ، وهما من فصحاء العرب ، بل هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على عمر هذا الفهم وأجابه بناءً على فهمه مما يدل على تقرر الفهم أيضاً عنده - صلى الله عليه وسلم - وهو أفصح العرب لساناً ، وهذا هو مفهوم المخالفة .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٢٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٢٧٧