تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقول الثاني : لا تجب الكفارة في قتل العمد وبه قال مالك وأصحاب الرأي والثوري وأبو ثورٍ وابن المنذر ، واستدلوا على ذلك : بأن الله تعالى ذكر الكفارة في قتل الخطأ ثم ذكر بعدها حكم العمد ولم يذكر فيه كفارة فلو كانت واجبة لذكرها لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وروي أن الحارث بن سويد بن الصامت قتل رجلاً فأوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه القود ولم يوجب كفارة، وعمرو بن أمية الضمري قتل رجلين كانا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فوداهما النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمره بالكفارة، وأما حديث واثلة المذكور فلا دليل فيه لأنه لم ينص أنه كان في قتل العمد فلعله أن يكون خطأً أو شبه عمدٍ ، وأما قياسهم العمد على الخطأ في وجوب الكفارة فنحن نخالفهم في العلة ، فإن مأخذ العلة في وجوب الكفارة في قتل الخطأ هو تكفير الإثم اللاحق له بهذا القتل فإثمه خفيف تزيله الكفارة ، أما قاتل العمد العدوان فإن إثمه أعظم وجرمه أكبر من أن تكفره الكفارة بل لا يكفره إلا القود أو النار ، حتى لو عفا عنه أولياء الدم في الدنيا فإن حق المقتول باقٍ لم يسقط وأول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ، فجرمه كبير جداً لا تقاومه الكفارة ، بل حتى التوبة فإنها مسقطة لحق الله تعالى فقط أما حق المقتول فلا يسقط بالتوبة بل لابد أن يأخذ حقه يوم القيامة أو يوفي الله عنه بأن يعطي المقتول من الحسنات ما يستوفي به حقه من القاتل ، فالأمر عظيم والعاقبة وخيمة ، فإسقاط الكفارة عن قاتل العمد ليس إسقاط تخفيف ، بل لأن الكفارة لا تقاوم عظم جرم القتل عمداً ، فإذاً إلحاق قتل العمد بقتل الخطأ في وجوب الكفارة ليس بصواب ، للاختلاف في العلة وإذا اختلفت العلل فلا إلحاق وهذا القول هو الراجح عندي إن شاء الله تعالى ، وبه تعلم أهمية معرفة العلة حتى يصح الإلحاق . والله أعلم .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٢٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٢٧٣