ومنها : ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع يمين السارق وهذا فعل لكنه اقترن بقوله تعالى : ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ وهذا القول للوجوب ، فيكون فعله أيضاً للوجوب ، فإذا سرق السارق وجب قطع يمينه ، وقلنا إن الفعل هنا واجب لأنه اقترن بأمرٍ قولي واجب .
ومنها : أفعال الوضوء فقد اقترنت هذه الأفعال بأمرٍ قولي كما في آية الوضوء ، وهذا القول له حكم الوجوب ، فكذلك أيضاً الأفعال تأخذ حكم الوجوب لأنها اقترنت بأمرٍ قولي واجب ، وبذلك تعرف أن الأفعال إذا كانت مقرونة بأمرٍ قولي فإنها تعطى حكمه . فإن كان القول للوجوب فهي واجبة ، وإن كان للاستحباب فهي مستحبة ، والله أعلم .
فإن قلتَ : قد ذكرت لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نهى عن شيء ثم خالفه بفعله فيكون الفعل لبيان الجواز ، أي تجوز المخالفة مع الكراهية ، فهل يتصور أن يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلاً مكروهاً وهو رسول الله ؟
فأقول : إن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - المخالف لنهيه ليس بمكروهٍ في حقه خاصة لأنه يلزم عليه أن يبلغنا به ، ففعله هذا واجب لوجوب البلاغ ، وإنما هو مكروه في حقنا ، فالبول قائماً مثلاً مكروه في حقنا لكنه - صلى الله عليه وسلم - لما بال واقفاً فإن وقوفه هذا الذي قصد بيان الجواز ليس بمكروه ، لأنه من باب البلاغ الواجب عليه .
فإن قلت : أفلا بلغنا جواز المخالفة بالقول كما بلغنا النهي بالقول ، فلماذا يبلغنا بالفعل ؟ فالجواب : أن هذا تحكم على الشارع وحجر عليه ، ولا يليق هذا السؤال بأهل الأدب ، فللشارع أن يبلغنا بما شاء بقوله أو فعله أو تقريره أو تركه كل ذلك راجع إلى المصالح والحكم الشرعية والله أعلم .