وَالْخَامِسُ: رَأْيُ قَوْمٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ زَمَانَنَا هَذَا - فَضْلًا عَنْ زَمَانِنَا - اتَّخَذُوا الرِّجَالَ ذَرِيعَةً لِأَهْوَائِهِمْ وَأَهْوَاءِ مَنْ دَانَاهُمْ، أَوْ مَنْ رَغِبَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا عَرَفُوا غَرَضَ بَعْضِ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ فُتْيَا تَعَبُّدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، بَحَثُوا عَنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَسْؤُولِ عَنْهَا حَتَّى يَجِدُوا الْقَوْلَ الْمُوَافِقَ لِلسَّائِلِ فَأَفْتَوْا بِهِ، زَاعِمِينَ أَنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ لَهُمْ قَوْلُ مَنْ قَالَ: «اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ».
ثُمَّ مَا زَالَ هَذَا الشَّرُّ يَسْتَطِيرُ فِي الْأَتْبَاعِ وَأَتْبَاعِهِمْ، حَتَّى لَقَدْ حَكَى الْخَطَابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ: «كُلُّ مَسْأَلَةٍ ثَبَتَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ - شَذَّ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَا – فَالْمَسْأَلَةُ جَائِزَةٌ».
وَالسَّادِسُ: مَا حَكَى اللهُ عَنِ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 31)، فَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ - فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (التَّوْبَة:31)، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ»، (حسّنه الألباني).
وَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: «أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ (التوبة: 31)»، قَالَ حُذَيْفَةُ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا لَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مَا أَحَلُّوا لَهُمْ مِنْ حَرَامٍ اسْتَحَلُّوهُ، وَمَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مِنْ حَلَالٍ حَرَّمُوهُ، فَتِلْكَ رُبُوبِيَّتُهُمْ».
فَتَأَمَّلُوا يَا أُولِي الْأَلْبَابِ! كَيْفَ حَالُ الِاعْتِقَادِ فِي الْفَتْوَى عَلَى الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ لِلدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الْعَرَضِ الْعَاجِلِ، عَافَانَا اللهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ.