يَضُرُّهُ مُخَالَفَةُ غَيْرِ إِمَامِهِ لِإِمَامِهِ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ سَالِكٌ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، فَقَدْ يُؤَدِّي التَّغَالِي فِي التَّقْلِيدِ إِلَى إِنْكَارٍ لِمَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ إِنْكَارِهِ.
والرَّابِعُ: رَأْيُ مَنْ يَرَوْنَ أَنَّ عَمَلَ الْجُمْهُورِ الْيَوْمَ - مِنِ الْتِزَامِ الدُّعَاءِ بِهَيْئَةِ الْاجْتِمَاعِ بِإِثْرِ الصَّلَوَاتِ، وَالْتِزَامِ الْمُؤَذِّنِينَ التَّثْوِيبَ بَعْدَ الْآذَانِ (1) - صَحِيحٌ بِإِطْلَاقٍ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِمُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ أَوْ مُوَافَقَتِهَا، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُمْ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ أَوْ تَقْلِيدِيٍّ خَارِجٌ عَنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أُمُورٍ تَخَبَّطُوا فِيهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُعْتَبَرٍ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الْمَعْمُولَ بِهِ فِي الْجُمْهُورِ ثَابِتٌ عَنْ فُضَلَاءَ وَصَالِحِينَ عُلَمَاءَ. فَلَوْ كَانَ خَطَأ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ.
وَهَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ الْيَوْمَ، تُتَّهَمُ الْأَدِلَّةُ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَيُحَسَّنُ الظَّنُّ بِمَنْ تَأَخَّرَ، وَرُبَّمَا نُوزِعَ بِأَقْوَالِ مَنْ تَقَدَّمَ، فَيَرْمِيهَا الرَّامِي بِالظُّنُونِ وَاحْتِمَالِ الْخَطَإِ، وَلَا يَرْمِي بِذَلِكَ الْمُتَأَخِّرِينَ، الَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِذَا سُئِلَ عَنْ أَصْلِ هَذَا الْعَمَلِ الْمُتَأَخِّرِ: هَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ؟ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ أَوْ يَأْتِي بِأَدِلَّةٍ مُحْتَمَلَةٍ لَا عِلْمَ لَهُ بِتَفْصِيلِهَا. كَأَنْ يَدَّعِيَ فِيهَا الْإِجْمَاعَ مِنْ أَهْلِ الْأَقْطَارِ، وَهُوَ لَمْ يَبْرَحْ مِنْ قُطْرِهِ، وَلَا بَحَثَ عَنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْأَقْطَارِ، وَلَا عَنْ تِبْيَانِهِمْ فِيمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَلَا عَرَفَ مِنْ أَخْبَارِ الْأَقْطَارِ خَبَرًا، فَهُوَ مِمَّنْ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَهَذَا الِاضْطِرَابُ مَنْشَؤُهُ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِأَعْمَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ - وَإِنْ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ - وَالْوُقُوفُ مَعَ الرِّجَالِ دُونَ التَّحَرِّي لِلْحَقِّ.
(1) () نقل الإمام الشاطبي عَن ابْنِ الْمَاجِشُونِ: أَنه سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ: «التَّثْوِيبُ ضَلَالٌ».
وَالتَّثْوِيب المبْتَدَع: هُوَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ إِذَا أَذَّنَ فَأَبْطَأَ النَّاسُ قَالَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ: «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ» أو قال: «الصَّلَاةُ ـ رَحِمَكُمُ اللهُ». وهذا ما عرَّفهُ به الإمام الشاطبي.
وليس المقصود التَّثْوِيبُ بمَعنَى أَنْ يَزِيدَ الْمُؤَذِّنُ عِبَارَةَ (الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ؛ فَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْل النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - لأَِبِي مَحْذُورَةَ - رضي الله عنه - وهو يُعَلِّمه الأذان: «فَإِذَا كَانَ صَلاَةُ الصُّبْحِ قُلْتَ: الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» (رواه أبو داود، وصحّحه الألباني).