فَالْحَاصِلُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ تَحْكِيمَ الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى كَوْنِهِمْ وَسَائِلَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا ضَلَالٌ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا باللهِ، وَإِنَّ الْحُجَّةَ الْقَاطِعَةَ وَالْحَاكِمَ الْأَعْلَى هُوَ الشَّرْعُ لَا غَيْرُ.
ثُمَّ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -، وَمَنْ رَأَى سَيْرَهُمْ وَالنَّقْلَ عَنْهُمْ وَطَالَعَ أَحْوَالَهُمْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا يَقِينًا:
- أَلَا تَرَى أَصْحَابَ السَّقِيفَةِ لَمَّا تَنَازَعُوا فِي الْإِمَارَةِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَأَتَى الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ص بِأَنَّ «الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ» (1) أَذْعَنُوا لِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَلِمَ يَعْبَؤُوا بِرَأْيِ مَنْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى آرَاءِ الرِّجَالِ.
- وَلَمَّا أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ ت قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ بِعَيْنِ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ النبي ص: «إِلَّا بِحَقِّهَا»، فَقَالَ: «الزَّكَاةُ حَقُّ الْمَالِ»، ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ص لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ» (2).
(1) () رواه البخاري ومسلم، وهو حديث متواتر.
(2) () عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: «كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ».
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ» (رواه مسلم).
(العِقَالُ): حَبْلٌ تُثْنى به يد البعير إِلى ركبته فتُشَدُّ به. نَاظَرَ عُمَر أَبَا بَكْر - رضي الله عنهما - وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ نَفْسه وَمَالَه»، وَكَانَ هَذَا مِنْ عُمَر تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ الْكَلَام قَبْل أَنْ يَنْظُر فِي آخِره وَيَتَأَمَّل شَرَائِطه.
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر - رضي الله عنه -: «إِنَّ الزَّكَاة حَقّ الْمَال»، يُرِيد أَنَّ الْقَضِيَّة قَدْ تَضَمَّنَتْ عِصْمَة دَم وَمَال مُعَلَّقَة بِإِيفَاءِ شَرَائِطهَا. وَالْحُكْم الْمُعَلَّق بِشَرْطَيْنِ لَا يَحْصُل بِأَحَدِهِمَا وَالْآخَر مَعْدُوم. ثُمَّ قَايَسَهُ بِالصَّلَاةِ وَرَدّ الزَّكَاة إِلَيْهَا، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْله دَلِيل عَلَى أَنَّ قِتَالَ الْمُمْتَنِع مِنْ الصَّلَاة كَانَ إِجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَة، فَلَمَّا اِسْتَقَرَّ عِنْد عُمَر صِحَّة رَأْي أَبِي بَكْر - رضي الله عنهما - وَبَانَ لَهُ صَوَابه تَابَعَهُ عَلَى قِتَال الْقَوْم.
[انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (1/ 203)].