تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ كَمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَسِوَاهُمَا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا حَيْثُ لُقُوا مَطْرُودِينَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، مَحْجُوبِينَ عَنْ كُلِّ لِسَانٍ، مُبْعَدِينَ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا تَمَادِيًا عَلَى ضَلَالِهِمْ، وَمُدَاوَمَةً عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 41).

وَحَاصِلُ مَا عَوَّلُوا عَلَيْهِ تَحْكِيمُ الْعُقُولِ الْمُجَرَّدَةِ، فَشَرَّكُوهَا مَعَ الشَّرْعِ. ثُمَّ قَصَرُوا أَفْعَالَ اللهِ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُمْ وَوَجَّهُوا عَلَيْهَا أَحْكَامَ الْعَقْلِ فَقَالُوا: يَجِبُ عَلَى اللهِ كَذَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا. فَجَعَلُوهُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ.

فَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ إِذَا اسْتَحْكَمَتْ فِيهِمْ أَهْوَاؤُهُمْ لَمْ يُبَالُوا بِشَيْءٍ، وَلَمْ يُعِدُّوا خِلَافَ أَنْظَارِهِمْ شَيْئًا، وَلَا رَاجَعُوا عُقُولَهُمْ مُرَاجَعَةَ مَنْ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ وَيَتَوَقَّفُ فِي مَوَارِدِ الْإِشْكَالِ، وَهُوَ شَأْنُ الْمُعْتَبَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْعُقُولِ، وَهَؤُلَاءِ صِنْفٌ مِنْ أَصْنَافِ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ، وَلَمْ يَعْبَأْ بِعَذَلِ الْعَاذِلِ فِيهِ (1)، ثُمَّ هُنَاكَ أَصْنَافٌ أُخَرُ تَجْمَعُهُمْ مَعَ هَؤُلَاءِ إِشْرَابُ الْهَوَى فِي قُلُوبِهِمْ، حَتَّى لَا يُبَالُوا بِغَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ.

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ:

إِنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ» فِيهِ الْإِشَارَةُ بِـ «تِلْكَ» فَلَا تَكُونُ إِشَارَةً إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَلَا مُحَالًا بِهَا عَلَى غَيْرِ مَعْلُومٍ، بَلْ لَابُدَّ لَهَا مِنْ مُتَقَدِّمٍ تَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ إِلَّا الْأَحْوَالُ الَّتِي كَانَتِ السَّبَبَ فِي الِافْتِرَاقِ، فَجَاءَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْحَدِيثِ مُبَيِّنَةً أَنَّهَا الْأَهْوَاءُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ خَارِجٍ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَأَصْحَابُهُ إِنَّمَا خَرَجَ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى عَنِ الشَّرْعِ.

(1) () أي لم يُبالِ بلوم اللائم.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٩٢