النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَطَرِيقِهِ، فَمَنْ كَانَ مَعَهُ وَتَبِعَهُ فَهُوَ الْجَمَاعَةُ»، ثُمَّ قَالَ إِسْحَاقُ: «لَمْ أَسْمَعْ عَالِمًا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً كَانَ أَشَدَّ تَمَسُّكًا بِأَثَرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ».
فَانْظُرْ فِي حِكَايَتِهِ تَتَبَيَّنْ غَلَطَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَالِمٌ، وَهُوَ فَهْمُ الْعَوَامِّ، لَا فَهْمُ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ. فَلْيثثَبِّتِ الْمُوَفَّقُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ قَدَمَهُ لِئَلَّا يَضِلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَا تَوْفِيقَ إِلَّا بِاللهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ:
فِي بَيَانِ مَعْنَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَهِيَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أَلاَ إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِى النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِى الْجَنَّةِ وَهِىَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِى أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ لاَ يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلاَ مَفْصِلٌ إِلاَّ دَخَلَهُ» (1) (حسّنه الألباني).
وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَخْبَرَ بِمَا سَيَكُونُ فِي أُمَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ الَّتِي افْتَرَقُوا فِيهَا إِلَى تِلْكَ الْفِرَقِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِمْ أَقْوَامٌ تُدَاخِلُ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ قُلُوبَهُمْ حَتَّى لَا يُمْكِنَ فِي الْعَادَةِ انْفِصَالُهُمْ عَنْهَا وَتَوْبَتُهُمْ مِنْهَا، عَلَى حَدِّ مَا يُدَاخِلُ دَاءُ الْكَلَبِ جِسْمَ صَاحِبِهِ فَلَا يَبْقَى مِنْ ذَلِكَ الْجِسْمِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ وَلَا مَفْصِلٌ وَلَا غَيْرُهُمَا إِلَّا دَخَلَهُ ذَلِكَ الدَّاءُ، وَهُوَ جَرَيَانٌ لَا يَقْبَلُ الْعِلَاجَ وَلَا يَنْفَعُ فِيهِ الدَّوَاءُ، فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْهَوَى إِذَا دَخَلَ قَلْبَهُ، وَأُشْرِبَ حُبَّهُ (2)، لَا تَعْمَلُ فِيهِ الْمَوْعِظَةُ وَلَا يَقْبَلُ الْبُرْهَانَ، وَلَا يَكْتَرِثُ بِمَنْ خَالَفَهُ.
(1) () (تَجَارى بهم) أي: تسري في عروقهم ومفاصلهم. (الكَلَب) بفتحتين: داء يصيب الإنسان من عَضِّ الكلب المجنون.
(2) () أُشرِبَ قلبُه كذا: خالط حُبّه قلبه، كأنّه شربه. يقال: أشرِب قلبُه حُبّ الإيمان.
وقال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: 92 - 93) أي خالط حبُّ عبادة العجل قلوبهم، وتغلغل في سويدائها، ودخل في قلوبهم كما يدخل الماء في البدن.