الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ:
إِنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ» عَلَى وَصْفِ كَذَا، يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ مِنْ أُمَّتِهِ فِي هَوًى مِنْ تِلْكَ الْأَهْوَاءِ وَرَآهَا وَذَهَبَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ هَوَاهُ يَجْرِي فِيهِ مَجْرَى الْكَلبِ بِصَاحِبِهِ فَلَا يَرْجِعُ أَبَدًا عَنْ هَوَاهُ وَلَا يَتُوبُ مِنْ بِدْعَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أُمَّتَهُ مَنْ يَكُونُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الْبِدْعَةِ مُشْرَبَ الْقَلْبِ (1) بِهَا فَلَا يُمْكِنُهُ التَّوْبَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيُمْكِنُهُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَالرُّجُوعُ عَنْهَا.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْأَوَّلِ هُوَ النَّقْلُ الْمُقْتَضِي الْحَجْرَ لِلتَّوْبَةِ عَنْ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ عَلَى الْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوْقِهِ» (2) (رواه البخاري)، وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّ اللهَ حَجَبَ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ» (أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، وحسنه المنذري، وصحّحه الألباني بشواهده). وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْوَاقِعُ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا تَجِدُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ ارْتَضَاهَا لِنَفْسِهِ يَخْرُجُ عَنْهَا أَوْ يَتُوبُ مِنْهَا، بَلْ هُوَ يَزْدَادُ بِضَلَالَتِهَا بَصِيرَةً.
رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ ثُمَّ يَتُوبُ مِنْهُ مَثَلُ الْمَجْنُونِ الَّذِي عُولِجَ حَتَّى بَرِئَ، فَأَعْقَلَ مَا يَكُونُ قَدْ هَاجَ».
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّقْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ أَصْلًا، لِأَنَّ الْعَقْلَ يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وَالشَّرْعَ إِنْ يَشَأْ عَلَى مَا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فَعُمُومُهُ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ
(1) () أُشرِبَ قلبُه كذا: خالط حُبّه قلبه، كأنّه شربه. يقال: أشرِب قلبُه حُبّ الإيمان.
وقال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (البقرة: 92 - 93) أي خالط حبُّ عبادة العجل قلوبهم، وتغلغل في سويدائها، ودخل في قلوبهم كما يدخل الماء في البدن.
(2) () الفُوق: هو موضع الوتر من السهم.