وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ رَأْيُ الْأُصُولِيِّينَ، فَقِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: «مَنِ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ؟»، قَالَ: «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ»، فَلَمْ يَزَلْ يَحْسِبُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، فَقِيلَ: «هَؤُلَاءِ مَاتُوا؛ فَمَنِ الْأَحْيَاءُ؟»، قَالَ: «أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ».
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا مَدْخَلَ فِي هَذَا السَّوَادِ لِمَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ مُجْتَهِدٍ، لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي أَهْلِ التَّقْلِيدِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِمَا يُخَالِفُهُمْ فَهُوَ صَاحِبُ الْمِيتَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا يَدْخُلُ أَيْضًا أَحَدٌ مِنَ الْمُبْتَدِعِينَ، لِأَنَّ الْعَالِمَ لَا يَبْتَدِعُ، وَإِنَّمَا يَبْتَدِعُ مَنِ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الْعِلْمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ أَخْرَجَتْهُ عَنْ نَمَطِ مَنْ يُعْتَدُّ بِأَقْوَالِهِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ قِيلَ بِالِاعْتِدَادِ بِهِ فِيهِ فَفِي غَيْرِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ابْتَدَعَ فِيهَا، لِأَنَّهُمْ فِي نَفْسِ الْبِدْعَةِ مُخَالِفُونَ لِلْإِجْمَاعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ الصَّحَابَةُ - رضي الله عنهم - عَلَى الْخُصُوصِ، فَإِنَّهُمُ الَّذِينَ أَقَامُوا عِمَادَ الدِّينِ وَأَرْسَوْا أَوْتَادَهُ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ أَصْلًا، وَقَدْ يُمْكِنُ فِيمَنْ سِوَاهُمْ ذَلِكَ. أَلَا تَرَى قَوْلَهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهُ اللهُ» (رواه مسلم). وَقَوْلَهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شَرَارِ النَّاسِ» (رواه مسلم).
فَقَدْ أَخْبَرَ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَنَّ مِنَ الْأَزْمَانِ أَزْمَانًا يَجْتَمِعُونَ فِيهَا عَلَى ضَلَالَةٍ وَكُفْرٍ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: «سَنَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَوُلَاةُ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا، الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتِكْمَالٌ لِطَاعَةِ اللهِ، وَقُوَّةٌ عَلَى دِينِ اللهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ تَبْدِيلُهَا وَلَا تَغْيِيرُهَا، وَلَا النَّظَرُ فِيهَا! مَنِ اهْتَدَى بِهَا مُهْتَدٍ، وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهَا مَنْصُورٌ، وَمَنْ خَافَهَا اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللهُ مَا تَوَلَّى، وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا». فَقَالَ مَالِكٌ: «فَأَعْجَبَنِي عَزْمُ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ».
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ مُطَابِقٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» (رواه الترمذي، وحسّنه الألباني). فَكَأَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَالُوهُ وَمَا سَنُّوهُ، وَمَا اجْتَهَدُوا فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَبِشَهَادَةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - لَهُمْ بِذَلِكَ