خُصُوصًا فِي قَوْلِهِ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» (رواه أبو داود، وصحّحه الألباني). وَأَشْبَاهِهِ، أَوْ لِأَنَّهُمُ الْمُتَقَلِّدُونَ لِكَلَامِ النُّبُوَّةِ، الْمُهْتَدُونَ لِلشَّرِيعَةِ، الَّذِينَ فَهِمُوا أَمْرَ دِينِ اللهِ بِالتَّلَقِّي مِنْ نَبِيِّهِ مُشَافَهَةً، عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ بِمَوَاطِنِ التَّشْرِيعِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ.
فَإذَنْ كُلُّ مَا سَنُّوهُ فَهُوَ سُنَّةٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِيهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ فِيهِ لِأَهْلِ الِاجْتِهَادِ مَجَالًا لِلنَّظَرِ رَدًّا وَقَبُولًا، فَأَهْلُ الْبِدَعِ إذَنْ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي الْجَمَاعَةِ قَطْعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَمْرٍ فَوَاجِبٌ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ اتِّبَاعُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ ضَمِنَ اللهُ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَنْ لَا يَجْمَعَهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِنْ وَقَعَ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ فَوَاجِبٌ تَعَرُّفُ الصَّوَابِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «الْجَمَاعَةُ لَا تَكُونُ فِيهَا غَفْلَةٌ عَنْ مَعْنَى كِتَابِ اللهِ، وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قِيَاسٍ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْغَفْلَةُ فِي الْفُرْقَةِ».
وَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ يَقْتَضِي أَيْضًا مَا يَقْتَضِيهِ، أَوْ يَرْجِعُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَفِيهِ مِنَ الْمَعْنَى مَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِمْ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِدْعَةٌ أَصْلًا، فَهُمْ إذَنْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى أَمِيرٍ، فَأَمَرَ - صلى الله عليه وآله وسلم - بِلُزُومِهِ وَنَهَى عَنْ فِرَاقِ الْأُمَّةِ فِيمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِرَاقَهُمْ لَا يَعْدُو إِحْدَى حَالَتَيْنِ:
- إِمَّا لِلنَّكِيرِ عَلَيْهِمْ فِي طَاعَةِ أَمِيرِهِمْ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ فِي سِيرَتِهِ الْمَرْضِيَّةِ لِغَيْرِ مُوجِبٍ، بَلْ بِالتَّأْوِيلِ فِي إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ فِي الدِّينِ، كَالْخَوَارِجِ الْحَرُورِيَّةِ الَّتِي أُمِرَتِ الْأُمَّةُ بِقِتَالِهَا وَسَمَّاهَا النَّبِيُّ ص مَارِقَةً مِنَ الدِّينِ.
- وَإِمَّا لِطَلَبِ إِمَارَةٍ مِنِ انْعِقَادِ الْبَيْعَةِ لِأَمِيرِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ نَكْثُ عَهْدٍ وَنَقْضُ عَهْدٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ. وَقَدْ قَالَ ص: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ