فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى الْجَمَاعَةِ الْمُرَادَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا السَّوَادُ الْأَعْظَمُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَبِي غَالِبٍ: «إِنَّ السَّوَادَ الْأَعْظَمَ هُمُ النَّاجُونَ مِنَ الْفِرَقِ، فَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مَنْ أَمْرِ دِينِهِمْ فَهُوَ الْحَقُّ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، سَوَاءٌ خَالَفَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَوْ فِي إِمَامِهِمْ وَسُلْطَانِهِمْ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْحَقِّ».
وَعَنِ الْحُسَيْنِ قِيلَ لَهُ: «أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؟»، فَقَالَ: «أَيْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا كَانَ اللهُ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ».
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَدْخُلُ فِي الْجَمَاعَةِ مُجْتَهِدُو الْأُمَّةِ وَعُلَمَاؤُهَا وَأَهْلُ الشَّرِيعَةِ الْعَامِلُونَ بِهَا، وَمَنْ سِوَاهُمْ دَاخِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ، لِأَنَّهُمْ تَابِعُونَ لَهُمْ وَمُقْتَدُونَ بِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ فَهُمُ الَّذِينَ شَذُّوا، وَيَدْخُلُ فِي هَؤُلَاءِ جَمِيعُ أَهْلِ الْبِدَعِ (1) لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَّةِ، لَمْ يَدْخُلُوا فِي سَوَادِهِمْ بِحَالٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا جَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَمَنْ خَرَجَ عَمَّا عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، لِأَنَّ جَمَاعَةَ اللهِ الْعُلَمَاءُ، جَعَلَهُمُ اللهُ حُجَّةً عَلَى الْعَالَمِينَ، وَهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّ اللهَ لَنْ يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» (رواه أبو داود، وصحّحه الألباني). وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامَّةَ عَنْهَا تَأْخُذُ دِينَهَا، وَإِلَيْهَا تَفْزَعُ مِنَ النَّوَازِلِ، وَهِيَ تَبَعٌ لَهَا. فَمَعْنَى قَوْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّ اللهَ لَنْ يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ»: لَنْ يَجْتَمِعَ عُلَمَاءُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ.
(1) () أيْ أنَّ جَمِيعُ أَهْلِ الْبِدَعِ يَدْخُلُونَ فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ شَذُّوا.