تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 - ذَهَبَ إِليه الْبَعْضُ إلَى أَنَّهَا أُمُورٌ جَرَتْ فِي النَّاسِ وَكَثُرَ الْعَمَلُ بِهَا، وَشَاعَتْ وَذَاعَتْ؛ فَلَحِقَتْ بِالْبِدَعِ، وَصَارَتْ كَالْعِبَادَاتِ الْمُخْتَرَعَةِ الْجَارِيَةِ فِي الْأُمَّةِ. وَجَاءَ بِالْوَعْدِ بِأَشْيَاءَ تَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ هِيَ خَارِجَةٌ عَنْ سُنَّتِهِ، فَتَدْخُلُ فِيمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ، لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنَا، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ» (رواه البخاري ومسلم).

قَالُوا: فَهَذا الْحَدِيثُ وَأَمْثَالُهُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ إِنَّمَا هُوَ ـ فِي الْحَقِيقَةِ ـ تَبْدِيلُ الْأَعْمَالِ الَّتِي كَانُوا أَحَقَّ بِالْعَمَلِ بِهَا، فَلَمَّا عُوِّضُوا مِنْهَا غَيْرَهَا، وَفَشَا فِيهَا حَتَّى كَأَنَّهُ مِنَ الْمَعْمُولِ بِهِ تَشْرِيعًا، كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ الطَّارِئَةِ عَلَى نَحْوِ مَا بُيِّنَ فِي الْعِبَادَاتِ.

2 - وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْعِبَادَاتِ لَا يُسَلِّمُونَ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُونَ: فَالْمَظَالِمِ وَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعَاصٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَمُخَالَفَاتٌ لِلْمَشْرُوعِ.

وَالْمُبَاحُ مِنْهَا كَالْمَنَاخِلِ، إِنْ فُرِضَ مُبَاحًا ـ كَمَا قَالُوا ـ فَإِنَّمَا إِبَاحَتُهُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَلَا ابْتِدَاعَ فِيهِ. وَإِنْ فُرِضَ مَكْرُوهًا فَوَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّرَفِ وَالتَّنَعُّمِ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ.

وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِيهَا عَلَى الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ وَاحِدٌ، إِذْ لَمْ يُنَصَّ عَلَى أَنَّهَا بِدَعٌ أَوْ مُحْدَثَاتٌ، أَوْ مَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى.

وَأَيْضًا إِنْ عَدُّوا كُلَّ مُحْدَثِ الْعَادَاتِ بِدَعَةً، فَلْيَعُدُّوا جَمِيعَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ الْمَآكِلِ والْمَشَارِبِ والْمَلَابِسِ وَالْكَلَامِ والْمَسَائِلِ النَّازِلَةِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ بِدْعًا، وَهَذَا شَنِيعٌ، فَإِنَّ مِنَ الْعَوَائِدِ مَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَزْمَانِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالِاسْمِ، أَفَيَكُونُ كُلُّ مَنْ خَالَفَ الْعَرَبَ الَّذِينَ أَدْرَكُوا الصَّحَابَةَ - رضي الله عنهم - وَاعْتَادُوا مِثْلَ عَوَائِدِهِمْ غَيْرَ مُتَّبِعِينَ لَهُمْ؟! هَذَا مِنَ الْمُسْتَنْكَرِ جِدًّا.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٩٠