السابع الباب
الابْتِدَاعِ هَلْ يَدْخُلُ
فِي الأمُورِ الْعَادِيَّةِ
أَمْ يَخْتَصُّ بِالأمُورِ الْعِبَادِيَّةِ
هَلْ يَدْخُلُ الِابْتِدَاعُ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ أَمْ لا؟
أَمَّا الْعِبَادِيَّةُ فَلَا إِشْكَالَ فِي دُخُولِهِ فِيهَا؛ إِذِ الْأُمُورُ الْعِبَادِيَّةُ إِمَّا أَعْمَالٌ قَلْبِيَّةٌ وَأُمُورٌ اعْتِقَادِيَّةٌ، وَإِمَّا أَعْمَالُ جَوَارِحَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَكِلَا الْقِسْمَيْنِ قَدْ دَخَلَ فِيهِ الِابْتِدَاعُ كَمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ والْمُرْجِئَةِ، وَالْخَوَارِجِ والْمُعْتَزِلَةِ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الْإِبَاحَةِ وَاخْتِرَاعِ الْعِبَادَاتِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ وَلَا أَصْلٍ مَرْجُوعٍ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا الْعَادِيَّةُ فَاقْتَضَى النَّظَرُ وُقُوعَ الْخِلَافِ فِيهَا وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا وَضْعُ الْمُكُوسِ (1) وَالْمُحْدَثَاتُ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَتَقْدِيمُ الْجُهَّالِ عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي الْوِلَايَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَتَوْلِيَةُ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ مَنْ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ بَلْ بِطْرِيقِ الْوِرَاثَةِ، وَاتِّخَاذُ الْمَنَاخِلِ وَغَسْلِ الْيَدِ بِالْأُشْنَانِ (2) وَتَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ ... وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي الزَّمَنِ الْفَاضِلِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ:
(1) () وضَعَ: أنشأ، سَنّ، فرَضَ. (المُكُوس): جمع (مَكْس)، وصاحب المكس: هو الذي يأخذ من الناس ما لا يلزمهم شرعًا من الوظائف المالية بالقهر والجبر. ولا شك في أنه من أعظم الذنوب، وأكبرها، وأفحشها، فإنَّه غصب، وظلمٌ، وعَسفٌ على الناس، وإشاعةٌ للمنكر، وعملٌ به، ودوامٌ عليه. ومع ذلك كلِّه فإن تاب من ذلك، وردَّ المظالم إلى أربابها صحَّت توبته. ومما يدل على عِظَمِ هذا الذنب أنَّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال في الْغَامِدِيَّةِ التي اعترفت على نفسها بالزنا، فأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ»، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ. (رواه مسلم). [انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (16/ 21) للقرطبي].
(2) () (الأشنان)، (الإشنان): شجرٌ يستعمل هو أو رمادُه في غَسْل الثياب والأيدي.