وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ: أَنْ رَجُلًا قَالَ لِلْحَسَنِ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ! مَا تَرَى فِي مَجْلِسِنَا هَذَا؟ قَوْمٌ مِنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَا يَطْعَنُونَ عَلَى أَحَدٍ، نَجْتَمِعُ فِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا، وَفِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا، فَنَقْرَأُ كِتَابَ اللهِ، وَنَدْعُو لِأَنْفُسِنَا وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ؟»، قَالَ: فَنَهَى الْحَسَنُ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ.
وَالنَّقْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ.
فَلَوْ لَمْ يَبْلُغِ الْعَمَلُ الزَّائِدُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ؛ كَانَ أَخَفَّ، وَانْفَرَدَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهِ وَالْعَمَلُ الْمَشْرُوعِ بِحُكْمِهِ؛ كَمَا حَكَى ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ؛ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، وَكَانَ مَجْلِسُهُ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ (الإسراء: 111)، فَرَفَعَ أَصْوَاتَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا حَوْلَهُ جُلُوسًا.
فَجَاءَ مُجَالِدُ بْنُ مَسْعُودٍ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَاهُ، فَلَمَّا رَآهُ الْقَوْمُ؛ قَالُوا: «مَرْحَبًا، مَرْحَبًا، اجْلِسْ»، قَالَ: «مَا كُنْتُ لِأَجْلِسَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ كَانَ مَجْلِسُكُمْ حَسَنًا، وَلَكِنَّكُمْ صَنَعْتُمْ قُبَيْلُ (1) شَيْئًا أَنْكَرَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَإِيَّاكُمْ وَمَا أَنْكَرَ الْمُسْلِمُونَ».
فَتَحْسِينُهُ الْمَجْلِسَ كَانَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ؛ فَكَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْضَمَّ إِلَى الْعَمَلِ الْحَسَنِ، حَتَّى إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ؛ صَارَ الْمَجْمُوعُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ الْوَصْفُ عُرْضَةً لِأَنْ يَنْضَمَّ إِلَى الْعِبَادَةِ، حَتَّى يُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَوْصَافِهَا أَوْ جُزْءٌ مِنْهَا: فَهَذَا الْقِسْمُ يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ النَّهْيِ عَنِ الذَّرَائِعِ، وَهُوَ إِنْ كَانَ فِي الْجُمْلَةِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ؛ فَفِيهِ فِي التَّفْصِيلِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا هُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَى مَمْنُوعٍ يُمْنَعُ؛ بِدَلِيلِ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ وَمَا كَانَ نَحْوَهَا.
(1) () قُبَيْل: تصغير قَبْل: قبل الشّيء بقليل. يقال: جاء قُبَيْل الظُّهر: أي قبله بزمن قليل.