وَكَذَا مَرَّةً: الْحَمْدُ للهِ»، قَالَ: فَيَقُولُ الْقَوْمُ، قَالَ: فَمَرَّ بِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -، فَقَالَ لَهُمْ: «هُدِيتُمْ لِمَا لَمْ يُهْدَ نَبِيُّكُمْ! وَإِنَّكُمْ لِتُمْسِكُونِ بِذَنَبِ ضَلَالَةٍ» (1).
وَذُكِرَ لَهُ أَنَّ نَاسًا بِالْكُوفَةِ يُسَبِّحُونَ بِالْحَصَى فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَاهُمْ وَقَدْ كَوَّمَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَوْمًا مِنْ حَصَى؛ قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَحْصَبَهُمْ بِالْحَصَى حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَيَقُولُ: «لَقَدْ أَحْدَثْتُمْ بِدْعَةً وَظُلْمًا، وَقَدْ فَضَلْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وآله وسلم - عِلْمًا!!».
فَهَذِهِ أُمُورٌ أَخْرَجَتِ الذِّكْرَ عَنْ وَصْفِهِ الْمَشْرُوعِ؛ كَالَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، أَوِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ إِذَا صُلِّيَتْ قَبْلَ أَوْقَاتِهَا؛ فَإِنَّا قَدْ فَهِمَنَا مِنَ الشَّرْعِ الْقَصْدَ إِلَى النَّهْيِ عَنْهَا، والْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَا يَكُونُ مُتَعَبَّدًا بِهِ، وَكَذَلِكَ صِيَامُ يَوْمِ الْعِيدِ.
وَخَرَّجَ ابْنُ وَضَّاحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَبَّاسٍ؛ قَالَ: لَقِيتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ الْخُزَاعِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: «قَوْمٌ مِنْ إِخْوَانِكَ مِنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لَا يَطْعَنُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا وَفِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا، وَيَجْتَمِعُونَ يَوْمَ النَّيْرُوزِ والْمَهْرَجَانِ، وَيَصُومُونَهَا»، فَقَالَ طَلْحَةُ: «بِدْعَةٌ مِنْ أَشَدِّ الْبِدَعِ، وَاللهِ لَهُمْ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلنَّيْرُوزِ والْمَهْرَجَانِ مِنْ عِيدِهِمْ»، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه -، فَرَقِيتُ إِلَيْهِ، وَسَأَلْتُهُ كَمَا سَأَلْتُ طَلْحَةَ، فَرَدَّ عَلَيَّ مِثْلَ قَوْلِ طَلْحَةَ؛ كَأَنَّهُمَا كَانَ عَلَى مِيعَادٍ.
فَجَعَلَ صَوْمَ تِلْكَ الْأَيَّامِ مِنْ تَعْظِيمِ مَا تُعَظِّمُهُ النَّصَارَى، وَذَاكَ الْقَصْدُ لَوْ كَانَ أَفْسَدَ الْعِبَادَةِ؛ فَكَذَلِكَ مَا كَانَ نَحْوَهُ.
(1) () الذَّنَبُ: الذَيْل، والمعنى أنه شَبَّهَ المبتدع المتمسك بضلالة البدع بأعمى متمسك بذيل دابة، فهي تسير به كيفما شاءت، فتارةً تجره إلى أرضٍ ذات شوك، وتارةً تطرحه في فلاة لا أنيس فيها ولا ساكن، ووجه الشَبَه السير إلى المهلكة في كُل منهما والتوغل في الضلالة.