فَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ مِنْ «نَهْيِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَنْ يُتَقَدَّمَ شَهْرُ رَمَضَانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ» (رواه البخاري ومسلم)، وَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَخَافَةَ أَنْ يُعَدَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ رَمَضَانَ.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ: «شَهِدْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضي الله عنهما -، وَكَانَا لَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يُرَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ». (رواه البيهقي وغيره، وصحّحه الألباني).
وَنَحْوُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «إِنِّي لَأَتْرُكَ أُضْحِيَتِي ـ وَإِنِّي لِمَنْ أَيْسَرِكُمْ ـ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَظُنَّ الْجِيرَانُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ». (رواه البيهقي وغيره، وإسناده صحيح). وَكَثِيرٌ مِنْ هَذَا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
فَاعْلَمُوا أَنَّهُ إِنْ ذَهَبَ مُجْتَهِدٌ إِلَى عَدَمِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ مِمَّا يَتَضَمَّنُهُ هَذَا الْبَابُ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَلَ الْوَاقِعَ عِنْدَهُ مَشْرُوعٌ، وَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ أَجْرُهُ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى سَدِّهَا ـ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ ـ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ مَمْنُوعٌ، وَمَنْعُهُ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ مَلُومٌ عَلَيْهِ، وَمُوجِبٌ لِلذَّمِّ.
إِلَّا أَنْ يُذْهَبَ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى أَمْرٍ مُجَاوِرٍ؛ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَاشْتِبَاهٍ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ انْفِكَاكُ الْأَمْرَيْنِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَأْمُورًا بِهِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْهِيًّا عَنْهُ مِنْ جِهَةِ مَآلِهِ.
وَلَنَا فِيهِ مَسْلَكَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ؛ كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾ (الأنعام: 108).
وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - َنَهَى عَنِ الْخُلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّاتِ، وَعَنْ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَأَمَرَ النِّسَاءَ بِالِاحْتِجَابِ عَنْ أَبْصَارِ الرِّجَالِ، وَالرِّجَالَ بِغَضِّ الْأَبْصَارِ ... إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا عَلَّلُوا الْأَمْرَ فِيهِ وَالنَّهْيَ بِالتَّذَرُّعِ لَا بِغَيْرِهِ.