عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرُّومِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ لَهُ: «إِنَّ إِخْوَانَكَ أَتَوْكَ مِنَ الْبَصْرَةِ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِالزَّاوِيَةِ - لِتَدْعُوَ اللَّهَ لَهُمْ»، قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا، وَآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»، فَاسْتَزَادُوهُ، فَقَالَ مِثْلَهَا، فَقَالَ: «إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا، فَقَدْ أُوتِيتُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصحّحه الألباني).
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا؛ فَلَا إِنْكَارَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ فِيهِ أَمْرٌ زَائِدٌ؛ صَارَ الدُّعَاءُ فِيهِ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ الْعَمَلُ الْعَادِيُّ أَوْ غَيْرُهُ كَالْوَصْفِ لِلْعَمَلِ الْمَشْرُوعِ؛ إِلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمَشْرُوعَ لَمْ يَتَّصِفْ فِي الشَّرْعِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ: فَظَاهِرُ الْأَمْرِ انْقِلَابُ الْعَمَلِ الْمَشْرُوعِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عُمُومُ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدٌّ» (رواه البخاري ومسلم).
وَهَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ اتِّصَافِهِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ عَمَلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -، فَهُوَ إذَنْ رَدٌّ؛ كَصَلَاةِ الْفَرْضِ ـ مَثَلًا ـ إِذَا صَلَّاهَا الْقَادِرُ الصَّحِيحُ قَاعِدًا، أَوْ سَبَّحَ فِي مَوْضِعِ الْقِرَاءَةِ، أَوْ قَرَأَ فِي مَوْضِعِ التَّسْبِيحِ ... وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَقَدْ نَهَى - صلى الله عليه وآله وسلم - عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ، وَنَهَى عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، فَبَاشَرَ النَّهْيُ الصَّلَاةَ لِأَجْلِ اتِّصَافِهَا بِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، كَمَا اعْتَبَرَ فِيهَا الزَّمَانَ بِاتِّفَاقٍ فِي الْفَرْضِ؛ فَلَا تُصَلَّى الظُّهْرُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَا الْمَغْرِبُ قَبْلَ الْغُرُوبِ. وَنَهَى - صلى الله عليه وآله وسلم - عَنْ صِيَامِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى بُطْلَانِ الْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
فَكُلُّ مَنْ تَعَبَّدَ للهِ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي غَيْرِ أَزْمَانِهَا؛ تَعَبَّدَ بِبِدْعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا إِضَافِيَّةٍ، فَلَا جِهَةَ لَهَا إِلَى الْمَشْرُوعِ، بَلْ غَلَبَتْ عَلَيْهَا جِهَةُ الِابْتِدَاعِ، فَلَا ثَوَابَ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ.