وَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ إِذَا فَرَضْنَا أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا قَصْدَ التَّقَرُّبِ (1) مِمَّا لَمْ يُشْرَعْ أَصْلًا، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلَمْ يَقْصِدْ فِعْلَهُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَلَا كَانَ مَظَنَّةً لِأَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ انْضِمَامُهُ إِلَيْهَا، فَلَا يَقْدَحُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الذَّمُّ فِيهِ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ.
وَمِثْلُهُ لَوْ أَرَادَ الْقِيَامَ إِلَى الْعِبَادَةِ، فَفَعَلَ عِبَادَةً مَشْرُوعَةً مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الِانْضِمَامِ، وَلَا جَعَلَهُ عُرْضَةً لِقَصْدِ انْضِمَامِهِ، فَتِلْكَ الْعِبَادَتَانِ عَلَى أَصَالَتِهِمَا.
وَكَقَوْلِ الرَّجُلِ عِنْدَ الذَّبْحِ أَوِ الْعِتْقِ: اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ، عَلَى غَيْرِ الْتِزَامٍ وَلَا قَصْدِ الِانْضِمَامِ.
وَكَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الطَّوَافِ لَا بِقَصْدِ الطَّوَافِ وَلَا عَلَى الِالْتِزَامِ.
فَكُلُّ عِبَادَةٍ هُنَا مُنْفَرِدَةٌ عَنْ صَاحِبَتِهَا؛ فَلَا حَرَجَ فِيهَا.
وَعَلَى ذَلِكَ نَقُولُ: لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الدُّعَاءَ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ وَقَعَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِلْأَمْرِ يَحْدُثُ عَنْ قَحْطٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ مُلِمٍّ؛ لَكَانَ جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، إِذْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يُخَافُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الِانْضِمَامِ، وَلَا كَوْنُهُ سُنَّةً تُقَامُ فِي الْجَمَاعَاتِ وَيُعْلَنُ بِهِ فِي الْمَسَاجِدِ؛ كَمَا دَعَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - دُعَاءَ الِاسْتِسْقَاءِ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ وَهُوَ يَخْطُبُ، وَكَمَا أَنَّهُ دَعَا أَيْضًا فِي غَيْرِ أَعْقَابِ الصَّلَوَاتِ عَلَى هَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ، لَكِنْ فِي الْفَرْطِ (2) وَفِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ؛ كَسَائِرِ الْمُسْتَحَبَّاتِ الَّتِي لَا يَتَرَبَّصُ بِهَا وَقْتًا بِعَيْنِهِ وَكَيْفِيَّةً بِعَيْنِهَا.
(1) () أي فَعَلَ هَذا الفِعْلَ وهو يقْصِدُ به التَّقَرُّبِ إلى الله - عز وجل -.
(2) () الفَرْط: الحِين: يُقَالُ: إِنما آتِيهِ الفَرْطَ وَفِي الفَرْط، وأَتيته فَرْط أَشهر أَي بَعْدَهَا؛ وَقِيلَ: الفَرْط أَن تأْتيه فِي الأَيام وَلَا تَكُونُ أَقلّ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَلَا أَكثر مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.