تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ اقْتَضَى النَّظَرُ السَّابِقُ لِلذِّهْنِ أَنْ يُثَابَ الْعَامِلُ بِهَا مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ، وَيُعَاتَبُ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. إِلَّا أَنَّ هَذَا النَّظَرَ لَا يَتَحَصَّلُ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي جِهَةِ الْبِدْعَةِ فِي الْعَمَلِ: لَا تَخْلُو أَنْ:

- تَنْفَرِدَ

- أَوْ تَلْتَصِقَ.

وَإِنِ الْتَصَقَتْ؛ فَلَا تَخْلُو:

- أَنْ تَصِيرَ وَصْفًا لِلْمَشْرُوعِ غَيْرَ مُنْفَكٍّ ـ إِمَّا بِالْقَصْدِ أَوْ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ الْعَادِيِّ.

- أَوْ لَا تَصِيرُ وَصْفًا، وَإِنْ لَمْ تَصِرْ وَصْفًا؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَضْعُهَا إِلَى أَنْ تَصِيرَ وَصْفًا أَوْ لَا.

فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهَا فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْمَطْلُوبِ بِحَوْلِ اللهِ:

فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ تَنْفَرِدَ الْبِدْعَةُ عَنِ الْعَمَلِ الْمَشْرُوعِ؛ فَالْكَلَامُ فِيهِ ظَاهِرُ مِمَّا تَقَدَّمَ؛ إِلَّا أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَضْعُهُ عَلَى جِهَةِ التَّعَبُّدِ؛ فَبِدْعَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ فِعْلٌ مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ، لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَالْعِبَادَةُ سَالِمَةٌ، وَالْعَمَلُ الْعَادِيُّ خَارِجٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

مِثَالُهُ: الرَّجُلُ يُرِيدُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَيَتَنَحْنَحُ مَثَلًا، أَوْ يَتَمَخَّطُ، أَوْ يَمْشِي خُطُوَاتٍ، أَوْ يَفْعَلُ شَيْئًا، وَلَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ وَجْهًا رَاجِعًا إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ عَادَةً أَوْ تَقَزُّزًا؛ فَمِثْلُ هَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ فِي نَفْسِهِ وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَادَاتِ الْجَائِزَةِ؛ إِلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهُ الِانْضِمَامُ إِلَى الصَّلَاةِ عَمَلًا أَوْ قَصْدًا؛ فَإِنَّهُ إِذْ ذَاكَ يَصِيرُ بِدْعَةً.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٥٥