وَإِذَا ثَبَتَ فِي الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ أَنَّهَا قَدْ تُعَدُّ بِدَعًا بِالْإِضَافَةِ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِالْبِدَعِ الْحَقِيقِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا قَدْ تَجْتَمِعُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً وَإِضَافِيَّةً مَعًا، لَكِنْ مِنْ جِهَتَيْنِ؟! فَإذَنْ بِدْعَةُ «أُصْبِحَ وللهِ الْحَمْدُ» فِي نِدَاءِ الصُّبْحِ ظَاهِرَةٌ، ثُمَّ لَمَّا عَمِلَ بِهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ مُوَاظِبًا عَلَيْهَا لَا تُتْرَكُ كَمَا لَا تُتْرَكُ الْوَاجِبَاتُ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ كَانَ تَشْرِيعُهَا أَوَّلًا يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ الْوُجُوبَ أَوِ السُّنَّةَ، وَهَذَا ابْتِدَاعٌ ثَانٍ إِضَافِيٌّ، ثُمَّ إِذَا اعْتَقَدَ فِيهَا ثَانِيًا السُّنِّيَّةَ أَوِ الْفَرْضِيَّةَ؛ صَارَتْ بِدْعَةً مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
وَمِثْلُهُ يَلْزَمُ فِي كُلِّ بِدْعَةٍ أُظْهِرَتْ وَالْتُزِمَتْ، وَأَمَّا إِذَا خَفِيَتْ وَاخْتُصَّ بِهَا صَاحِبُهَا؛ فَالْأَمْرُ عَلَيْهِ أَخَفُّ، فَيَا لَلَّهِ وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ! مَاذَا يَجْنِي الْمُبْتَدِعُ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ فِي حِسَابِهِ؟ وَقَانَا اللهُ شُرُورَ أَنْفُسِنَا بِفَضْلِهِ.
وَمِنْ هُنَا ظَهَرَ عُذْرُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي تَرْكِهِمْ سُنَنًا قَصْدًا؛ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ الْجَاهِلُ أَنَّهَا مِنَ الْفَرَائِضِ. وَهُنَاكَ أُمُورٌ جَائِزَةٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، وَلَكِنَّهُمْ كَرِهُوا فِعْلَهَا خَوْفًا مِنَ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَهَا سُنَّةً إِنَّمَا هُوَ بِأَنْ يُوَاظِبَ النَّاسُ عَلَيْهَا مُظْهِرِينَ لَهَا، وَهَذَا شَأْنُ السُّنَّةِ، وَإِذَا جَرَتْ مَجْرَى السُّنَنِ؛ صَارَتْ مِنَ الْبِدَعِ بِلَا شَكٍّ. وَهَذَا ذَرِيعَةٌ لِئَلَّا يُتَّخَذَ سُنَّةً مَا لَيْسَ بِسُنَّةٍ، أَوْ يُعَدَّ مَشْرُوعًا مَا لَيْسَ مَعْرُوفًا.
وَلِأَجْلِ ذَلِكَ نَهَى أَكْثَرُ السَّلَفِ الصَّالِحِ عَنِ اتِّبَاعِ الْآثَارِ؛ كَمَا خَرَّجَ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ وَضَّاحٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ مَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَسَدِيِّ؛ قَالَ: «وَافَيْتُ الْمَوْسِمَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ؛ انْصَرَفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا صَلَّى لَنَا صَلَاةَ الْغَدَاةِ فَقَرَأَ فِيهَا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (الفيل: 1)، ... وَ ﴿ ... لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (قريش: 1).
ثُمَّ رَأَى نَاسًا يَذْهَبُونَ مَذْهَبًا، فَقَالَ: «أَيْنَ يَذْهَبُ هَؤُلَاءِ؟»، قَالُوا: «يَأْتُونَ مَسْجِدًا هَاهُنَا صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -»، فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا؛ يَتَّبِعُونَ آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ، فَاتَّخَذُوهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا، مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ فَلْيُصَلِّ فِيهَا، وَإِلَّا؛ فَلَا يَتَعَمَّدْهَا».