فَمَنْ فَعَلِهِ فِي بَيْتِهِ وَقْتًا مَا؛ فَلَا حَرَجَ، وَنَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ بِهَذَا الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي النَّافِلَةِ أَنْ تُلْتَزِمَ السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ إِمَّا دَائِمًا وَإِمَّا فِي أَوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ وَعَلَى وَجْهٍ مَحْدُودٍ، وَأُقِيمَتْ فِي الْجَمَاعَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْفَرَائِضُ، أَوِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ؛ فَذَلِكَ ابْتِدَاعٌ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَلَا عَنْ أحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا عَنِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فِعْلُ هَذَا الْمَجْمُوعِ هَكَذَا مَجْمُوعًا، وَإِنْ أَتَى مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تِلْكَ التَّقْيِيدَاتِ، مَشْرُوعًا؛ فَالتَّقْيِيدِ فِي الْمُطْلَقَاتِ الَّتِي لَمْ تَثَبُتْ بِدَلِيلِ الشَّرْعِ تَقْيِيدُهَا رَأْيٌ فِي التَّشْرِيعِ، فَكَيْفَ إِذَا عَارَضَهُ الدَّلِيلُ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِإِخْفَاءِ النَّوَافِلِ مَثَلًا؟!.
وَوَجْهُ دُخُولِ الِابْتِدَاعِ هُنَا: أَنَّ كُلَّ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - مِنَ النَّوَافِلِ وَأَظْهَرَهُ فِي الْجَمَاعَاتِ؛ فَهُوَ سُنَّةٌ، فَالْعَمَلُ بِالنَّافِلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ عَلَى طَرِيقِ الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ إِخْرَاجٌ لِلنَّافِلَةِ عَنْ مَكَانِهَا الْمَخْصُوصِ بِهَا شَرْعًا (1)، ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اعْتِقَادُ الْعَوَامِّ فِيهَا وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَهَذَا فَسَادٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ مَا لَيْسَ بِسُنَّةٍ سُنَّةً، وَالْعَمَلَ بِهَا عَلَى حَدِّ الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ؛ نَحْوٌ مِنْ تَبْدِيلِ الشَّرِيعَةِ؛ كَمَا لَوِ اعْتَقَدَ فِي الْفَرْضِ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، أَوْ بِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ أَنَّهُ فَرْضٌ، ثُمَّ عَمِلَ وَفْقَ اعْتِقَادِهِ؛ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ، فَهَبِ الْعَمَلَ فِي الْأَصْلِ صَحِيحًا؛ فَإِخْرَاجُهُ عَنْ بَابِهِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا مِنْ بَابِ إِفْسَادِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
(1) () المندوب: ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام؛ كالرواتب. والمندوب يُثَاب فاعله امتثالًا، ولا يعاقَب تاركه. ويُسمَّى سُنَّةً ومسنونًا ومُستحَبًّا ونفلًا. [الأصول من علم الأصول للعثيمين، ص 11].
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: مَا ارْتَفَعَتْ رُتْبَتُهُ فِي الْأَمْرِ وَبَالَغَ الشَّرْعُ فِي التَّخْصِيصِ مِنْهُ يُسَمَّى سُنَّةً، وَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ تَطَوُّعًا وَنَافِلَةً، وَمَا تَوَسَّطَ بَيْنَ هَذَيْنِ فَضِيلَةً وَمُرَغَّبًا فِيهِ. [البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (1/ 378)].