تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصل

قَدْ يَكُونُ أَصْلُ الْعَمَلِ مَشْرُوعًا

وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ جَارِيًا مَجْرَى الْبِدْعَةِ مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ

قَدْ يَكُونُ أَصْلُ الْعَمَلِ مَشْرُوعًا، وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ جَارِيًا مَجْرَى الْبِدْعَةِ مِنْ بَابِ الذَّرَائِعِ، وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْعَمَلَ يَكُونُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ ـ مَثَلًا ـ، فَيَعْمَلُ بِهِ الْعَامِلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ عَلَى وَضْعِهِ الْأَوَّلِ مِنَ النَّدْبِيَّةِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ الْعَامِلُ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ، وَيَجْرِي مَجْرَاهُ إِذَا دَامَ عَلَيْهِ فِي خَاصِّيَّتِهِ غَيْرَ مُظْهِرٍ لَهُ دَائِمًا، بَلْ إِذَا أَظْهَرَهُ لَمْ يُظْهِرْهُ عَلَى حُكْمِ الْمُلْتَزَمَاتِ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَالْفَرَائِضِ اللَّوَازِمِ، فَهَذَا صَحِيحٌ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَأَصْلُهُ نَدْبُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - لِإِخْفَاءِ النَّوَافِلِ وَالْعَمَلِ بِهَا فِي الْبُيُوتِ، وَقَوْلُهُ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (رواه البخاري)، فَاقْتَصَرَ فِي الْإِظْهَارِ عَلَى الْمَكْتُوبَاتِ ـ كَمَا تَرَى ـ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ النَّافِلَةَ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي أَحَدِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.

وَجَرَى مَجْرَى الْفَرَائِضِ فِي الْإِظْهَارِ السُّنَنُ؛ كَالْعِيدَيْنِ، وَالْخُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ ... وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَبَقِيَ مَا سِوَى ذَلِكَ حُكْمُهُ الْإِخْفَاءُ، وَمِنْ هُنَا ثَابَرَ السَّلَفُ الصَّالِحُ - رضي الله عنهم - عَلَى إِخْفَاءِ الْأَعْمَالِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا أَوْ خَفَّ عَلَيْهِمْ الِاقْتِدَاءُ بِالْحَدِيثِ وَبِفِعْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -؛ لِأَنَّهُ الْقُدْوَةُ وَالْأُسْوَةُ.

وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا إِذَا عَمِلَ بِهَا فِي الْبُيُوتِ دَائِمًا أَنْ يُقَامَ جَمَاعَةً فِي الْمَسَاجِدِ أَلْبَتَّةَ، مَا عَدَا رَمَضَانَ وَلَا فِي الْبُيُوتِ دَائِمًا، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ؛ كَقِيَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - عِنْدَمَا بَاتَ عِنْدَ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ (رواه البخاري ومسلم)، وَمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «قُومُوا فَلَأُصَلِّ لَكُمْ» (رواه البخاري ومسلم).

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٢٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٢٢٥