وأيضًا يردّون عليهم قالوا: الحكم بشهادة الشاهد الواحد ويمين المدّعي هو حكم بكتاب الله؛ لأن مثل هذا الحكم حق، والحكم بالحق مما أمر الله -سبحانه وتعالى- به؛ أما أنه حق فلأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه من بعده حكموا به ولا يحكمون بباطل. وأما أنه حكم بكتاب الله فلقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾. فالحكم بشاهد واحد ويمين المدّعي مما أراه الله إياه قطعًا.
وذكر القرآن الكريم الشاهدين والشاهد والمرأتين في معرض بيان طرق حفظ الحقوق لا في معرض بيان طرق الحكم كما ذكر ابن القيم. فهذا هو الحفظ لكي تحفظ حقك، هذا هو الحد في حفظ الحقوق، لكن لم يقل في هذا هو الحكم طريق الحكم إثبات الحق أن القاضي يحكم بهذا حتى لو قيل إنها وردت لبيان طريق الحكم فإن القرآن الكريم بذكر هذين النوعين من البيّنات لم يوجب الحكم بهما فقط.
يعني حتى لو بيّن أنها طريق من طرق الحكم فليس معناها أن هذا الطريق هو الطريق الوحيد للحكم، ولم يمنع الحكم بغيرهما من البيّنات.
لذلك قولهم بجواز الحكم بالشاهد الواحد ويمين المدّعي زيادة على النص الوارد بالشاهدين والشاهد والمرأتين. يعني هم يقولون القول بجواز الحكم بالشاهد الواحد ويمين المدّعي هذا زيادة على النص الوارد، والزيادة على النص نسخ، والنسخ بأخبار الآحاد لا يجوز. هذا طبعًا ردّ عليه ابن القيم، وردّ عليه ابن حزم، وردّ عليه العلماء. قال: هذا القول غير صحيح؛ لأن النسخ هو الرفع والإزالة والزيادة في الشيء تقرير له لا رفعه. يعني هذا القول بشهادة الشاهد الواحد ويمين المدّعي هذا ليس فيه إلغاء للنص، هذا طريق آخر من طرق إثبات الحق ومن طرق إثبات الدعوى. والزيادة في الشيء تقرير له لا رفع، والحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين، أو بالشاهد والمرأتين.
النسخ معناها أنك تلغي وتزيل الحكم. لكن أنت من قال لك أنني لما أحكم بالشاهد ويمين المدّعي أنني سألغي الحكم بالشاهدين والمرأتين والرجل؟! هذا طريق وهذا طريق، وهذه طرق متعددة لإثبات الحقوق.
ولما احتجّوا بحديث (البيّنة على المدّعي) يعني البيّنة محصورة، وأن المدّعي عليه عبء إحضار البيّنة، (واليمين على من أنكر). فقالوا لهم: احتجاج ضعيف، ذلك أن أحاديث الحكم بالشاهد الواحد ويمين المدّعي تُعتبر أصحّ