تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الغلام بين الساحروالراهب

(وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه):أي كان في طريق الغلام أذا أوغل فيها راهب، وهنا تثور مجموعة من الأسئلة:

- أين يسكن الساحر؟

- لماذا ترهبن الراهب، وما الذي جعله يدعو الغلام؟

- ما دلالة فقعد إليه؟.

- ما دلالة فأعجبه؟.

- وما دلالة (كلامه)؟

من الواضح أن الساحر يسكن في مكان بعيد عن المجتمع ما يتناسب من جهة مع غموض أعماله وسريتها، فالمهام غير النظيفة التي يقوم بها السحرة تطبخ في الظلام بعيداً عن العيون والأنظار، وليس أخطر عليها وعلى أصحابها من النور، ثم إن الساحر بقربه من الملك لا يضيره أن يكون بعيداً عن التجمعات السكانية، ولا يلزمه أن يقيم حتى في تجمعات النخبة والكبراء؛ فكل ما يحتاجه هو وأهل بيته يصلهم مضاعفاً إن لزم الأمر.

ماذا يعني الراهب؟ ولماذا ترهبن؟

الراهب عابد ينعزل عن الحياة ليتعبد بعيداً عن الناس، ومن الجدير بالذكر أن الراهب هنا موحد وليس على التثليث، ويذكر الشراح أنه كان على دين عيسى عليه الصلاة والسلام، وهو احتمال، ولا يبعد أن يكون من بني إسرائيل، بعد موسى عليه الصلاة والسلام، أو من المؤمنين قبلهم، إلا إذا فهمنا أن آية (ورهبانية ابتدعوها) على معنى أنه لم يترهبن أحد قبل النصارى، وعلى العموم فلا يترتب على تحديدهم كبير فائدة، وقد خلت القصة من أي محددات زمانية أو مكانية أو تعريف بالأشخاص لتتمحض للعبرة.

أما لماذا ينعزل؟ فمن الواضح أن ذلك لم يكن اختياراً بل كان اضطراراً بسبب ملاحقة النظام لدعوة التوحيد وأتباعها واضطهادهم، حيث إن الأنظمة الفرعونية المتجبرة يمكن أن تسكت عن محاربة المتدينين المنعزلين الذين لا يمارسون الدعوة، ولا يمارسون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يسعون لتغيير الواقع، بل ربما شجعت مثل هذا التدين، وقد رأينا كيف أن قريشاً لم تحارب النبي عليه السلام لما كان يتعبد قبل الوحي في غار حراء.

والسؤال المطروح هل كان إرهاب الدولة وعدوانها على الدين وأهله قد أوصل الراهب إلى درجة من الخوف واليأس، ليتخذ قراراً بالانعزال الدائم والنجاة بنفسه، لكن استفزه ما رآه من محاولة لإفساد طهارة الغلام وبراءته، والحرص على استمرار الكفر والزيف والصد عن سبيل الله، فبادر إلى دعوة الغلام؟ أم تراه كان يتخفى برهبانيته كيلا يصطدم بالنظام وتحين

اصحاب الأخدود · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

اصحاب الأخدودص ٩