أصحاب الأخدود ... عبر ودروس
(الحلقة 11) الشهداء بروج هادية
طارق مصطفى حميدة
تتحدث سورة البروج عن ظروف صعبة عاشها دعاة التوحيد، في مكة زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، وأصحابه رضي الله عنهم، ومن قبلهم المؤمنون السابقون أصحاب قصة الأخدود.
إنها حالة ظلمة حالكة في ليل بهيم، لا يكاد الواحد يرى موضع قدمه، حيث يشتد الأذى بالمسلمين حتى نشروا بالمناشير، وحرّقوا في الأخاديد.
وحيث يعم الظلم والظلام، ويلف النفوسَ المؤمنة والمستضعفة مشاعرالحزن والكآبة، حزناً على الذين دفنوا تحت التراب من حملة مشاعل الإيمان، وخوفاً على النفس، وقلقاً على مصير دين الله، مما يلاقيه أتباعه على أيدي أعدائه، فإن السورة تدعو المؤمنين كي ترتفع أبصارهم وقلوبهم إلى السماء ذات البروج ولا تظل منكسة باتجاه الأخاديد والقبور، فإن الشهداء عناك في عليين وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهم نجوم هادية وليسوا مجرد قتلة تحت التراب، ولا رماداً في الأخاديد.
عند ذلك كله يقسم الله تعالى بالسماء ذات البروج، مطمئناً المؤمنين أن دين الله في سماء عالية ذات بروج حصينة، وأن الكفرة من أعداء الدين، ليسوا أكثر من أقزام ينفخون على الشمس ليطفئوها، أو يصعدون "السلالم" لينزلوها. ولهذا يأتي ختام السورة مطمئناً المؤمنين أن هذا القرآن في مأمن، من أن تصل إليه أي يد بإحراق أو إلغاء أو إنقاص، فإنه (قرآن مجيد في لوح محفوظ).
وتبرز هذه السورة عظمة الجريمة بتحريق المؤمنين، وتكشف عن سببها "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد". فالكفار لغبائهم يتحرشون بالذين آمنوا بالله (العزيز) الذي تأبى عزته أن يترك عباده لأعدائه، وإن كان يمهلهم أن يتوبوا حتى بعد أن فتنوا المؤمنين والمؤمنات ... فيبشر المؤمنين بجنته، وينذر الكفار ناره وبطشته.