أصحاب الأخدود ... عبر ودروس
طارق مصطفى حميدة
(الحلقة 4) ولكن ليطمئن قلبي
(فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب فقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه فشكى ذلك إلى الراهب فقال الراهب إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر)،
إن الدين ليس فقط لحظة الاندهاش الأولى، بل هناك تربية وتثقيف وإعداد مستمر لهذا الغلام، كي يصير حاملاً للفكرة داعياً إليها، لا مجرد معجب بها أو مؤمن بها في نفسه، وبالتالي فقد كانت هناك حاجة للقاءات متكررة كلما ذهب الغلام إلى الساحر، وقد كان من ذكاء الراهب وحكمته أنه لم يعين مواعيد خاصة للقاء الغلام سوى ما يكون أثناء ذهاب الغلام وإيابه، كيلا يلفت الانتباه فيقع المحذور.
إن لقاءات الساحر بالغلام تتم بشكل منظم وبمواعيد صارمة، وهو أمر محمود في كل شيء، الاهتمام بالوقت والانضباط بشأنه وتنظيمه واستغلاله على الوجه الأمثل، لكن لماذا الضرب؟ لا شك أنها القسوة والإكراه، فليس للغلام في قلب الساحر أي محبة ولا لغيره، فكل الذي يعنيه في الأمر مصلحته الشخصية. والغريب أو اللافت أن الغلام لم يبح بالسر للساحر وكان بإمكانه أن يفسر له سبب تأخره، ولعل الضرب قد تكرر بمعنى أنه حاول أن يعالج الموضوع وحده، وهو يلوذ بالصمت. إنه لم يخبر الساحر لمَ يتأخر أو أين يتأخر، والمؤكد أن الساحر سأله قبل الضرب وبعده ما يعني أولاً حب الغلام للراهب وتحذير الراهب للغلام من أن يكشف السر لأحد وبالذات للساحر، والمتوقع أن الراهب قد أخبر الغلام بسر اعتزاله المجتمع مع حرص الراهب أن يظل أمره مخفياً.
من الطبيعي أن يتأخر الغلام على الساحر فإنه يخرج من البيت في ساعة يكون الوقت كافياً ليصل الساحر في الموعد، فإذا جلس إلى الراهب لبعض الوقت، كان ذلك على حساب موعده مع الساحر، وكذلك سيكون طبيعياً تأخره على أهله لأن موعد انتهاء لقائه مع الساحر معروف للأهل، فإذا جلس إلى الراهب وهو عائد فلا بد أن يتأخر عليهم.
إن من غير المعقول ولا المقبول أن يلتزم الغلام الصمت مع تكرر مساءلته وضربه فربما تعرض لتعذيب أكبر يضطره للكشف عن سره، ومن الواضح قبل ذلك أن الساحر لم يتوقع أن يكون تأخره مرتبطاً بلقاء الراهب.