ومن أجل هذا كان الشعر، عند بعض العلماء، أول مراتب الأدب، أما النثر فقد ظهر حين كثر السكان وتعددت أغراض الحياة وألفاظها، واحتاج الإنسان إلى التوسع في البيان، على أن أسبقية الشعر للنثر ليست أمرا مقطوعا به.
الفصل التاسع عشر
| التنقيب عن الآثار
لما كان في مقدمة ما نستند إليه في الوقوف على حياة الإنسان في العصور التي سبقت التاريخ، هو تلك الآثار التي تخلفت عن هذا الإنسان وأدواته وطبيعة عصره، رأينا أن نتحدث هنا عن علم التنقيب عن الآثار، ذلك العلم الذي قعد قواعده وأصل أصوله، العالم البريطاني الأثري السير ويليام يتري الذي توفي في 1942، هذا ويستند التنقيب عن الآثار إلى ما نوضحه هنا: (1)
دراسة الكتب القديمة ولا سيما التاريخية؛ فقد توضح المناطق التي قامت فيها الدول والحضارات أو تشير إليها، ولا يزال كتاب هيرودوت عمدة الكتب، وكذلك الوقوف على اللغات القديمة وقراءة الرسوم؛ مما يعين على تحقيق هذه الغاية. (2)
ما يتناقله الرواة والسكان الحاليون؛ فقد يلتمس المنقب من أقوالهم وأساطيرهم شيئا يفيده. (3)
ما يشاهده المنقب العالم في رحلاته بين أيدي السكان السذج من أشياء لا يعرفون قيمتها، وإن كانوا قد يعرفون مصدرها في المدافن والمعابد؛ فقد يكون بيد الساذج جمجمة بشرية أو إناء خزفي أو قطعة نقود أو قرط أو عظام. (4)
ما ينتهي علمه إلى العلماء حين تحفر الترع أو تهدم الدور القديمة؛ فقد تبدو صناديق وأكفان وأوان وأدوات. (5)
ما يكشف عنه علم طبقات الأرض (الچيولوچيا) من صخور وأحافير. (6)
ما يكشف عنه علم الطب والعلوم الزراعية والهندسية وغيرها من أسرار حياة الإنسان القديم. (7)
الجهة الغربية من موقع المدينة المطمورة أو موطن آثار الحضارة البائدة؛ إذ إنه يكاد يكون من المحقق وجود مقابرها، خاصة متى كان العشب الذي ينمو فوقها أشد خضرة من العشب الذي ينمو في مكان آخر. (8)
جس طبقة الأرض أو الطرق عليها حين يظن المنقب أن هذه المنطقة أثرية. (9)
ساعد الطيران المنقبين في كشف المواقع الأثرية، التي عجزوا عن الوصول إليها بوسائل النقل الأخرى. (10)
الاستدلال على المواقع من أشياء صغيرة، إذا استقرأها المنقب، وسعه أن ينقب في الموقع الصحيح، وذلك كأن يتبين أن مطالع الجدران الأثرية رقيقة؛ إذ إن هذا يدل على أنها جدران لدار مؤلفة من طبقة واحدة، أما الجدران الغليظة فإنها تشير إلى أن المنزل كان طبقتين أو أكثر، وكأن يستدل من قياس قاعدة أحد الأعمدة على طول ارتفاع المبنى، وقد استطاع العلماء رسم بناء معبد بعد قياس قاعدة العمود وبقايا أحد جدرانه، وقد رسم قصر الملك أخناتون استنادا إلى هذه الطريقة.
ومما تجلوه بقايا الأطلال وبقايا المقابر ورسومها، بيان مرتبة الحضارة القديمة وحالة السكان من فقر ورغادة وحروب وكوارث ومجاعات، فقد أبانت الحفائر في بلاد الإسكيمو عن حضارة راقية بائدة.
ويستدل من التراب الأرجواني على أن في موقعه إناء فضيا، وقد عمد المنقبون في منطقة أور الكلدانية إلى صب جبس في حفرتين غائرتين، وبعد أن تم جفافه ظهر أنموذج قيثارة يرجح أنها صنعت في 3200ق.م، كما أنه كان على الأرض آثار خطوط ضئيلة هي آثار أوتار القيثارة.
ومما يعين المنقبين والعلماء الباحثين ما خلفه الأقدمون من الأدوات والأواني العديدة إلى جوار الجثث المدفونة، إما من باب إجلال الميت وتقديسه بدفن ما كان لديه معه لكي لا يستخدمها غيره؛ وإما لأن القوم كانوا يذهبون إلى أن الميت سيعيش في مقبرته وسينتفع بما أودع المقبرة من الزاد والأدوات.
وقد تقدم علم الآثار تقدما كبيرا، ورصدت له الحكومات والجمعيات العلمية والأغنياء الأموال الكبيرة، وقد استهوى هذا العلم الألوف من الناس، كذلك مرن على التنقيب الألوف، ومنهم العمال المصريون، فقد رأيناهم - وأكثرهم من «قفط» في قنا - يعرفون بالمران أين توجد الآثار وما نوعها، مرشدين للعلماء المنقبين ذاتهم.