تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثامن عشر

| الفن

الفن، لغة: النوع أو الحال أو الضرب من الشيء، والجمع أفنان وفنون. وافتنان الكلام اشتقاقه في فن بعد فن . والمفتن والمتفنن وذو الفنون والمفن «بكسر ففتح»، الذي يأتي بالعجائب وبضروب فن الكلام. والفنان «بالتشديد» الحمار الوحشي، وإطلاقها على الرجل المفن رجل الفن شائع في لغة الكتاب العصريين، مع أن العرب لم تقل ذلك.

وبينما الفن مادته الفكر والنظر، فإن العلم مادته العمل والأثر، وقد يكون للشيء الواحد علم وفن؛ فالموسيقى «علم» حين ندرس قضاياها العامة كتقسيم النغم، والموسيقى «فن» حين يتصرف المطرب في فنون النغم، والبلاغة «علم» حين تتحدث عن أحكام الفصل والوصل والإيجاز والإطناب وما إلى ذلك، والبلاغة «فن» حين يرسل الكاتب قلمه بالمقال البليغ.

هذا و«الفن» اصطلاحا لفظ مرن، في معناه الأوسع هو كل شيء ليس طبيعيا، بل من صنع الإنسان وهو، على هذا، يشمل المصنوعات والبلاغة والقصة، وكل ما هو نافع أو لذيذ، وما يجمع بين المنفعة واللذة كالميكانيكيات والآداب الرفيعة والهندسة المعمارية والحفر والنقش والزخرفة والرقص والموسيقى والشعر والغناء، أما الفن في معناه الضيق، فهو ما يصنعه أو ما يقوله الإنسان ثمرة للمواهب والكفاية المثلى من أجل المتعة النفسية في ذاتها؛ أي من غير أن يكون وسيلة إلى شيء ينتفع به في الحياة العملية.

وقد عرف الإنسان البدائي ساكن الكهوف الفن قبل عصر التاريخ، فلم يقتصر جهد سكان الكهوف في عصر الحجر، عند صنع الأدوات والأسلحة من الحجر ورءوس السكاكين والقوس من العظام، بل كانوا ينقشون على أيديها العظيمة أشكالا حيوانية كالماموث ووحيد القرن والإبل، ومن هنا نشأت فكرة محاكاة ما في الطبيعة بالنقش والحفر وما إليهما؛ استطابة للذة الفنية ونشدانا للمتعة النفسية.

والفن، على هذا، كل عمل أو مهارة منظمة ترمي إلى تتبع الكائنات النظامية، وإلى أهداف تعرف مقدما اتباعا لقواعد كل عمل واستخداما للمهارة ونتيجتها.

وعند «عبد المنعم أبو بكر» أن الفن كلمة يخص بها عادة أشياء مختلفة متباينة، فالتمثال قطعة فنية، والنقش قطعة فنية، والرسوم سواء ما كان منها بالزيت أو بالألوان الأخرى قطع فنية أيضا، ثم الموسيقى فن، والشعر فن، والنثر فن، وكذلك التلحين فن، والغناء فن؛ إذن فالفن هو كل ما يخرجه لنا ذوق الإنسان ليرضي به غريزة فيه لا يمكن أن نسميها إلا غريزة الفن، إذا صح هذا التعبير، ونحن إذا أنعمنا النظر في غرائز الحيوان والإنسان رأيناها متشابهة في الأصل، ذلك الأصل الذي يدفع بكل من الإنسان والحيوان إلى هدف واحد وهو البقاء، والمحافظة على ذلك بالأكل والشرب، ثم بالمدافعة عن النفس، ولكن الطبيعة اختصت الإنسان بغريزة أخرى هي «غريزة الجمال»، أو قل غريزة الذوق السليم؛ فالإنسان الذي يصنع مثلا إبريقا من الطين أو الحجر كي يملأه ماء للشرب، كان في بدء حياته الأولى (أقصد بذلك الإنسان الأول) يصنع إبريقا يصلح لاحتواء الماء، أما شكل هذا الإبريق الخارجي فيحتمه الغرض الذي من أجله صنع ثم الآلة التي صنع بها، ولكن سرعان ما تظهر الغريزة الأخرى، غريزة الذوق السليم، فتراه قد طلى هذا الإبريق بلون أحمر، أو أحرقه في النار حتى يكتسب ملاسة لامعة، أو رسم على سطحه الخارجي صورا مختلفة لا علاقة بينها وبين ما يحويه الإبريق.

وأول آثار للفن وصلت إلينا كانت من صنع إنسان عصر الفيضان (الطوفان)، الذي سكن قبل آلاف من السنين المناطق التي خلت من الثلوج، ذلك الإنسان الذي سكن الكهوف في جنوبي فرنسا وشمال إسبانيا، وترك لنا آثارا من الفن أحجم البعض عند أول وهلة أن ينسبه إليه، ترك لنا رسوما نقشها على صخور تلك الكهوف، دلت على مهارة عجيبة في الرسم، وبعد ذلك انتهت حضارة ذلك الإنسان الأول في أوروبا، وظهرت حضارات مختلفة في الشرق الأدنى وشمالي أفريقيا، هذا وفي عصور فجر التاريخ الغابرة حلت بشمالي أفريقيا عوامل طبيعية، جعلتها مغمورة بالثلوج، بينما كانت أوروبا منطقة أمطار غزيرة، وبعد حين انتقلت هذه العوامل الجوية إلى أوروبا فجعلتها مغطاة بالثلوج، بينما كان شمالي أفريقيا منطقة أمطار غزيرة، وهذا هو السبب الذي من أجله اختفت حضارة الإنسان الأول في أوروبا، وظهرت حضاراته في شمالي أفريقيا والشرق الأدنى، وكانت الآثار الأولى مشابهة الشبه كله لآثار ذلك الإنسان الأول الذي ظهر في أوروبا، ولكنا نجد بعد ذلك أن الشرق الأدنى تقدم في حضارته تقدما محسوسا، حتى إذا ما حل العصر الحجري الحديث رأينا أن الفن في الشرق الأدنى، وخاصة في مصر، قد انتحى ناحية أخرى.

تاريخ ما قبل التاريخ · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ما قبل التاريخص ٨٠