وتواتر إلى العالم ما اعتزم الملك فهرب إلى قمة جبل عال مستصحبا معه نسرا ضخما قويا فاتحا فاه، وربط نفسه إلى رجليه، ثم ألقى بنفسه معه من فوق الجبل، فبسط النسر جناحيه ماضيا في الفضاء.
وكان الرجل، إذا أراد الانخفاض جذب رأس النسر بيده إلى أسفل، وإذا رغب في الصعود دفعها إلى أعلى، وهكذا طار الرجل في الهواء فوق المدينة بين تهليل الناس وتكبيرهم، وخشي الملك أن يستفحل أمر ذلك العالم الجبار، فأرسل رسله في كل مكان باحثين عنه مادين أيديهم بالهدايا، ولكن ذهبت جهودهم أدراج الرياح.
فهذه القصة التي حرفها بعض الروائيين في قصة «السندباد البحري» تدلنا دلالة واضحة على مبلغ رقي الفراعنة العقلي والعملي، وأن «تاحتب» كان أول ضحايا فكرة الطيران، صحيح أن هيرودوت تشكك في صحة هذه الرواية، لكنها على كل حال تثبت وجود الفكرة عند علماء المصريين القدماء.
وقال الطيار «محمد محفوظ» في كتابه عن «الغزاة في عالم الطيران» إنه قد مضت سنون تطور فيها الفكر والعلم، حتى جاء عصر الأسرة الرابعة التي بنيت في عهد الأهرام، فذكر أن أحد الكهنة تسلق هرم خوفو بعد أن صنع لنفسه جناحين من قماش متين من التيل وطلاهما بطبقة من الشحم؛ ليمنع نفوذ الهواء خلالهما، ثم ألقى بنفسه في الهواء وأخذ يطير محركا جناحيه، ولكنه كان دائما يهبط إلى أسفل؛ إذ لم تكن لديه القوة اللازمة للارتفاع ... وبعد أن قاوم الهواء فترة يسيرة، انفصل عن جناحه فهوى إلى الأرض وفاضت روحه ، وكان بحق أول ضحايا الطيران الانفرادي، ويذكر بعض المؤرخين أن المهندسين الذين شيدوا الهرم الأكبر استنبطوا النوع الأول من المظلات الواقية، فقد صنعوا نوعا من القماش الخفيف في شكل أسطواني قريب الشبه بالبرميل، وكانوا إذا أرادوا طلب شيء من سفح الهرم نفخوا في هذه الآلة، وربطوا بها رسالة بما يطلبون، ثم يلقونها في مهب الريح، فإذا كانت غايتهم إلى أسفل مباشرة علقوا بها ثقلا، وإذا كانت بعيدة عنهم نوعا خففوا زنة الثقل، فإن كانت بعيدة جدا ألقوها دون ثقل ما، وهذه التجارب تدلنا على أنهم حاولوا الاستفادة من فكرة الطيران (الباراشوت)، ومن عجيب ما وصل إلينا أن قدماء المصريين عرفوا أيضا اتجاه الريح بوساطة جهاز يسمى دليل الريح، فقد كان عصر الأسرة الثانية عشرة عصرا ذهبيا سار الكشف فيه شوطا بعيدا عن طريق السفن البحرية، ولم يكن المصريون القدماء إلى يومئذ قد عرفوا القلع، فكان جل اعتمادهم على المجاذيف، ومما لا شك فيه أن الريح كانت تقاوم سيرهم وتوقف تقدمهم، بل كثيرا ما أوردتهم موارد التهلكة، وفي هذه العصر استنبط أحد العلماء كيسا من القماش الخفيف مفتوح الطرف، طوله يتراوح بين ذراعين وثلاثة، يعلقونه من طرفه في ناحية عالية بمؤخرة السفينة، وكثيرا ما ارتفع الكيس في شكل عمودي؛ لتعبئته بالريح القوية ولكنه لم يأت بالغرض المطلوب، وفطن أحدهم إلى أنه يجب ثقب الكيس؛ كي يمر منه الهواء وفق فكرتهم تماما، وكان هذا الجهاز من أهم عوامل تقدم البحرية الفرعونية، لكنه اندثر واستغني عنه حين استنبطوا القلوع.
وبعد، فنحن لا ننكر أن الغرب أخرج الطائرة إلى حيز الوجود، وأن الطيار «لاتام» كان أول من ركب متن الهواء في سنة 1910، وأن الإيطالي «فرنسسكودي لانا» هو الذي اخترع المظلة الواقية في سنة 1650، وأن الطيار الإنجليزي «هوكر» هو الذي استنبط جهاز الريح حوالي سنة 1919، لكن لا يجوز لنا أن نتناسى أنه منذ خمسة آلاف سنة فكر المصريون القدماء تفكيرا علميا عمليا صحيحا فيما جعله الغرب حقيقة واقعة في القرن الأخير.
هذا ومنذ عصر الفراعنة حتى قيام الإمبراطورية العربية تجدد البحث في فكرة الطيران، ولكن لم تصلنا دقائق عن تقدم هذا الفن الكبير. (11-2) العرب والطيران: عباس بن فرناس