تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما ثاني العنصرين فإنه يقوم على قوة شخصية الخاتل أو الساحر: زعامته في بني قومه، نفوذه الأدبي، ذلك أن نظراته نفاذة وأقواله مؤثرة في نفوسهم، سواء أكانت موجهة عن قصد التأثير والخداع أم عن غير تعمد ذلك. ومن أجل هذا اختلط على الإنسان البدائي ما تنطوي عليه زعامة الزعيم وعلم العالم وسحر الساحر ونسك الناسك وقداسة القديس بل ألوهية الإله، فقد كان هذا الإنسان يتصور هذه القوى متجمعة في إنسان أو جماد ما. وصحيح أن إنسان عصرنا الحاضر قد أصبح يفرق بين هذه القوى ويعرف الكثير عن مصادرها، غير أن النفس البشرية لا تزال تنتظر، إذ تمتحنها المحن، إلى قوة روحية خفية تنقذها من الخطر، وقد توفق النفس إلى هذه القوة الروحية الصالحة، وقد تخدع بسحر الساحر وتقع في أحبولة المخادع.

بل إننا نكاد نذهب إلى أبعد من هذا، فنقول إنه قد يكون من مصلحة المنكوب اليائس من العلاج الطبيعي أو المادي، أن تقوى روحه المعنوية بشيء من الاستهواء والمخادعة، فلقد طابت نفوس يائسة على أثر زيارتها لضريح ولي واستماعها لدعاء جاهل، أو أقوال قارئ كف أو «عزائم» أو كاتب «تمائم» أو فاتح «رمل أو فنجان» أو المنوم مغناطيسيا أو بعد حفلة «زار».

الفصل الثالث عشر

| العقل والعلم والتعليم

المفترض أنه كان للإنسان البدائي منذ 40 ألف أو أكثر، عقل يفكر، والمظنون أن تفكيره كان ساذجا همجيا يماثل تفكير الطفل ونظرته إلى ما حوله، كما يشبه تفكير أفراد الأقوام الهمجية الذين لا يزالون إلى اليوم يعيشون على الفطرة في أفريقيا وآسيا وأستراليا وأمريكا، وكما يبدو مما خلفه لنا الأقدميون من الآثار والخرافات، ثم مما يفكر فيه ويتناقله الجهلاء في الأمم المتحضرة الآن. وليس ببعيد أن البدائيين كانوا جماعات صغيرة متناثرة، وأن أفراد الأسرة كانوا يخشون أباهم ويحترمون أمهم، وأن الأبوين كانا يغاران على أولادهما، وأن الأم كانت، إلى هذا، المستشار الطبيعي والحامي لهم، وأن الحياة الاجتماعية واجهت المرحلة التي كان فيها الآباء حريصين على استبقاء الأبناء في رعايتهم المتواصلة، في حين أن الأبناء كانوا يجاهدون للتخلص من هذه السيادة وللاستمتاع بشيء من الحرية والاستقلال مع ما كان يساورهم من الخوف من المخاطر وسيئات الوحدة. ولقد أبان عالم السلالات البشرية البريطاني «ز. ز. أتكينسون» في كتابه «القانون البدائي»، كيف أن الكثير من قواعد قانون الهمجيين كقبيلة «الطابو» يدل على إدراك عقلي لحاجات الحياة القبيلية المتطورة.

وعند بعض الباحثين أن الخوف الشديد من الأبوين نهارا كان يتراءى للصغار في أحلامهم ليلا، بل كان يلازمهم بعد موتهما؛ إذ كانوا يعتقدون أنهما لم يموتا بل إنهما قد انتقلا إلى أبدية كبيرة السلطان، ومن هنا نشأ الاعتقاد في الأرواح والآلهة وتجسدهم في الأفراد، وفي أن الحيوان مماثل للإنسان روحا وتجسدا، وأن من الحيوان الصديق والعدو والإله، وأن للأشجار والنجوم والأنهار والبحار ما للإنسان والحيوان من الاحترام والتقديس، وحق الطاعة والعبادة والخوف والروح وعاطفة الحب والبغضاء. ولقد كان خيال الإنسان البدائي ينسج حول هذا كله من الأساطير والحكايات ما يتناقله الأبناء عن أمهم، بل إن أطفالنا اليوم لا يفتئون يخترعون القصص الغريبة حول الدمى والحيوان الأليف. وكان الإنسان البدائي، على نقيض «النيانديرتالي» الأبكم، يعرف بضعة الأسماء والكلمات ينطق بها في صورة ساذجة، ويكملها بالأصوات والإشارات. ولم يكن للبدائي علم يقوم على القاعدة المنطقية من استخلاص النتيجة من المقدمة. وكان أهم ما يشغله ويقلق باله أن لا يجد الوفير من الطعام وأن يصاب بالأمراض الفتاكة؛ فعند هذا يستصرخ البدائي إنسانا أو حيوانا أو جمادا؛ لكي يجود عليه بالطعام ويرفع عنه المقت والبلاء، كما أن البدائي كان يعتقد في المئات والألوف من وسائل الشعوذة والسحر والتفاؤل والتشاؤم، مما كان من أثره أن نشأت طبقة من المسنين في الجماعة، ينهضون بعبء رجل الدين وتفسير الأحلام والدعاء والصلاة والطب. ومن هنا استأثر هؤلاء بذلك العلم الساذج الهمجي الذي كان أصلا للعلم الحديث. (1) عقل الحيوان

تاريخ ما قبل التاريخ · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ما قبل التاريخص ٥٧